بقلم: الباز عبدالإله
بينما تنشغل الآلات بحفر الأنفاق وتشييد الملاعب، استعداداً لاستقبال مونديال 2030، يبدو أن هناك “ورشاً” آخر بدأ يتحرك في عمق البنية القانونية والاجتماعية للمغرب.
فتصريحات وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، التي استحضرت “رونالدو” وعقود الزواج والخمور، لم تكن مجرد دردشة أكاديمية داخل كلية الحقوق بالسويسي، بل فتحت باباً حساساً حول حدود تحديث القوانين، ومنطق الملاءمة بين خصوصية المجتمع ومتطلبات حدث عالمي بحجم كأس العالم.
استحضار النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو، في سياق الحديث عن الإقامة في الفنادق دون عقد زواج، منح التصريح قوة إعلامية كبيرة، لكنه وضع المسألة أيضاً أمام سؤال أعمق: هل يكشف المونديال حاجة حقيقية إلى مراجعة بعض النصوص والممارسات القانونية، أم يتحول إلى مدخل سريع لطرح قضايا شديدة الحساسية تحت ضغط “الضيف العالمي” وصورة البلد أمام الخارج؟
هذا السؤال لا يتعلق برونالدو وحده، ولا بالمشجعين الأجانب فقط.
فحين يربط وزير العدل بين نجاح التظاهرة الرياضية الكبرى وتحديث المنظومة التشريعية، فإن الأمر يتجاوز الاستثناء الظرفي إلى احتمال مراجعة أوسع لطريقة تعامل القانون المغربي مع عدد من القضايا المرتبطة بالحياة الخاصة، والسلوك العام، واستهلاك الخمور، ووضعية الزوار والمواطنين معاً.
غير أن قوة السؤال لا تعني بالضرورة سلامة طريقة طرحه. فالقضايا المجتمعية الكبرى لا تُفتح عادة عبر أمثلة صادمة أو أسماء مشاهير، بل عبر نقاش مؤسساتي واضح يشرح للمواطن ما الذي يحتاج إلى تغيير، ولماذا، ومن أجل من، وبأي ضمانات. ذلك أن التحولات القانونية، حين تُقدَّم في سياق الاستعجال أو ضغط المناسبة، قد تثير مخاوف من أن يصبح الحدث الرياضي أكبر من النقاش المجتمعي نفسه.
المغرب، بلا شك، مقبل على امتحان تنظيمي عالمي. والمونديال لا يعترف كثيراً بالمناطق الرمادية التي عاشت فيها بعض النصوص والممارسات لسنوات طويلة؛ فهناك قوانين صارمة على الورق، وممارسات أكثر مرونة في الواقع، وبينهما مساحة من التغاضي والتأويل والتدبير العملي.
لكن عدسات الإعلام الدولي، وحركة ملايين الزوار، ومتطلبات التنظيم، كلها عوامل ستجعل هذا “التعايش الرمادي” أقل قابلية للاستمرار.
هنا يظهر جوهر الإشكال: إذا كانت بعض القوانين غير قابلة للتطبيق بصرامة على ضيوف المونديال، فهل المشكلة في الضيف أم في القانون؟ وإذا كان الواقع يفرض مراجعة بعض النصوص، فهل سيتم ذلك ضمن إصلاح هادئ وناضج يهم الجميع، أم عبر تحيين سريع يبدو وكأنه استجابة لضغط الفيفا والكاميرات العالمية؟
تحديث القوانين ليس عيباً، بل قد يكون ضرورة في مجتمع يتغير، وبلد يستعد لاستقبال العالم.
لكن الخطر لا يوجد في التغيير بحد ذاته، بل في المنهج. فالإصلاح الحقيقي يجب أن ينبع من حاجة داخلية ومن نقاش عمومي واضح، لا أن يظهر كأنه “عملية تجميل” اضطرارية لتفادي حرج دولي.
فالقانون ليس ملحقاً في دفتر تحملات التظاهرات الكبرى، بل تعبير عن تعاقد مجتمعي يحدد علاقة الدولة بمواطنيها قبل أن يحدد طريقة استقبال ضيوفها.
تصريحات وهبي حول الخمور تندرج في السياق ذاته.
فالوزير اعتبر أن ملاحقة المشجعين الأجانب قانونياً في الشوارع أمر غير واقعي، منتقداً التمسك الصارم بنصوص قد تصطدم بسلوك جماهير قادمة من ثقافات مختلفة.
وهذا الطرح، وإن بدا عملياً من زاوية تنظيمية، يفتح في العمق سؤالاً أكثر حساسية: هل نحن أمام مرونة مؤقتة خلال المونديال، أم أمام مراجعة عامة تنهي حالة الازدواجية بين النص والتطبيق؟
لذلك، لا ينبغي أن يُختزل ما أثاره وزير العدل في ثنائية بسيطة بين محافظين وحداثيين، أو بين الانغلاق والانفتاح.
السؤال الحقيقي أعمق من ذلك: كيف يمكن للمغرب أن يطور منظومته القانونية دون أن يبدو وكأنه يعيد ترتيب بيته فقط لإرضاء الضيف؟ وكيف يمكنه أن يستقبل العالم بقواعد واضحة، دون أن يخلق شعوراً بأن المواطن ظل لسنوات خاضعاً لنصوص لا يتم اكتشاف صعوبتها إلا حين يتعلق الأمر بالأجانب؟
قوة المغرب لم تكن يوماً في الانغلاق، كما لم تكن في الذوبان. قوته كانت دائماً في القدرة على الانفتاح دون فقدان الشخصية، وعلى استقبال الآخر دون تحويله إلى مرجعية وحيدة لصياغة القاعدة الداخلية.
لذلك، يمكن أن تكون مناسبة المونديال فرصة لنقاش قانوني شجاع، لكنها لا يجب أن تتحول إلى ممر سريع لتغييرات عميقة دون إنضاج سياسي ومجتمعي كافٍ.
في النهاية، لا تتعلق المسألة بـ“التقاشر” ولا برونالدو ولا بزجاجات الخمر، بل بتلك اللحظة التي يقرر فيها بلد ما مراجعة “كتيب تعليماته” الداخلي.
حينها يصبح السؤال الحقيقي ليس: ماذا سنغير؟ بل: من أجل من نغير؟ وهل نحن بصدد بناء قانون أكثر وضوحاً وعدلاً للجميع، أم فقط تحيين القواعد حتى تناسب توقيت غرينتش الرياضي؟
المونديال سيمر، وستنتهي المباريات، وسيغادر آخر مشجع مطار محمد الخامس.
لكن ما سيتبقى في الغربال التشريعي بعد ذلك هو ما سيحدد الجواب: هل استقبلنا العالم في بيتنا، أم غيرنا البيت ليرضى عنا العالم؟
