اختار إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أن يحوّل منصة فاتح ماي بمدينة طنجة إلى لحظة سياسية حادة، وجّه من خلالها انتقادات مباشرة إلى الحكومة التي يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار، إلى جانب حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال، معتبراً أن حصيلة الأغلبية لم ترقَ إلى مستوى الوعود التي قُدمت للمغاربة.
ولم يكن خطاب لشكر، أمام عدد من أعضاء الفيدرالية الديمقراطية للشغل، مجرد كلمة عابرة في مناسبة نقابية، بل بدا أقرب إلى إعلان عودة “الوردة” إلى لغة الهجوم السياسي، بعدما وضع الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي جيب المواطن، لا بلاغات الحكومة، في قلب تقييم الحصيلة.
وقال لشكر إن الحكومة التزمت بعشرة تعهدات أساسية، غير أن سبعة منها، وفق تعبيره، لم يتحقق منها شيء، بينما عرفت الثلاثة المتبقية إنجازات جزئية فقط، دون أن يتم الوفاء بأي التزام بشكل كامل.
واعتبر أن مساءلة الحكومة ومحاسبتها أصبحت ضرورة سياسية واجتماعية في المرحلة المقبلة.
وانتقل الكاتب الأول لحزب “الوردة” من لغة الأرقام الحكومية إلى الواقع اليومي للمواطنين، مؤكداً أن الحكم الحقيقي على أداء الحكومة لا يتم من خلال الخطابات الرسمية، بل من خلال ما يعيشه المواطن حين يذهب إلى السوق ويواجه ارتفاع تكاليف المعيشة. فالمواطن، كما يفهم من خطاب لشكر، لا يحاسب بما يسمعه، بل بما يدفعه من جيبه.
وفي محور الحماية الاجتماعية، انتقد لشكر طريقة تقديم الحكومة لهذا الورش، معتبراً أن التوسع في التسجيل أو البناء المؤسساتي لا يكفي وحده للحكم على النجاح.
فالمعيار الحقيقي، في نظره، هو جودة التغطية وفعاليتها واستدامتها، وقدرة المواطن على الولوج إلى علاج فعلي دون أن يتحول المرض إلى عبء إضافي على الأسر.
وحذر لشكر من أن يؤدي تدبير هذا الورش إلى استفادة مفرطة للقطاع الخاص الصحي من الدعم العمومي، دون ضمان أثر اجتماعي واضح على المواطنين، مشدداً على أن الاكتفاء بعدد المسجلين لا يكفي لتقييم سياسة عمومية يفترض أن تمس حياة الناس وصحتهم وكرامتهم.
أما اقتصادياً، فقد وجّه لشكر سهامه إلى طريقة توزيع الدعم العمومي، معتبراً أن الحكومة تتحدث كثيراً عن دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، بينما الواقع، حسب قوله، يكشف أن هذه الفئة لم تستفد إلا من مبالغ محدودة، في مقابل استفادة الشركات والمقاولات الكبرى من ملايير الدراهم.
وأكد أن أكثر من 90 في المائة من الدعم ذهب إلى الشركات الكبرى، في حين ظلت المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تشكل القاعدة الأوسع للنسيج الاقتصادي الوطني، تواجه صعوبات التمويل وارتفاع الكلفة وتحديات الحفاظ على مناصب الشغل.
وهي مفارقة، في قراءة لشكر، تكشف ميلاً واضحاً في السياسات العمومية نحو الكبار داخل الاقتصاد، على حساب القاعدة الواسعة من الفاعلين الصغار والمتوسطين.
ولم يخفِ لشكر البعد الانتخابي في خطابه، إذ اعتبر أن الرد الحقيقي على حصيلة الحكومة وسياساتها سيكون عبر صناديق الاقتراع، داعياً إلى رفض ما وصفه بالسياسات المضللة، وإلى اصطفاف القوى اليسارية من أجل تغيير الوضع القائم.
غير أن قوة الخطاب لا تلغي سؤال التوقيت.
فخروج الاتحاد الاشتراكي بهذه النبرة الحادة، مع اقتراب العد العكسي للاستحقاقات المقبلة، يطرح أكثر من قراءة حول ما إذا كانت “الوردة” بصدد استعادة أشواكها السياسية فعلاً، أم أنها تعيد ترتيب موقعها داخل خريطة سياسية بدأت تتحرك مبكراً نحو 2026.
فطوال جزء مهم من الولاية الحكومية، ظل خطاب الاتحاد الاشتراكي محكوماً بحسابات سياسية أكثر هدوءاً تجاه الأغلبية، قبل أن ينتقل اليوم إلى نبرة أكثر مباشرة في نقد الحكومة ورئيسها وحلفائها.
وبين القناعة المعارضة وإعادة التموقع، تبدو خرجة طنجة رسالة مزدوجة: إلى الحكومة من جهة، وإلى الناخبين من جهة ثانية.
وفي جزء آخر من خطابه، توقف لشكر عند قضيتي الصحراء المغربية وفلسطين، مؤكداً أن المغاربة ليسوا في حاجة إلى إقناع بعضهم البعض بعدالة قضاياهم الوطنية والإنسانية، لأن الإيمان بالوحدة الترابية للمملكة، وبحق الشعب الفلسطيني في التحرر وإقامة دولته المستقلة، يشكل قاسماً مشتركاً بين المغاربة.
وشدد على أن الترافع الحقيقي ينبغي أن يتجه إلى المحافل الدولية، من أجل إقناع المنتظم الدولي بعدالة هذه القضايا، معتبراً أن تحويل الترافع إلى مجرد خطاب داخلي لا يحقق الغاية المطلوبة، ولا يؤدي المهمة كما ينبغي.
وبهذا الخطاب، بدا إدريس لشكر كأنه يحاول إعادة الاتحاد الاشتراكي إلى قلب النقاش السياسي والاجتماعي، مستثمراً رمزية فاتح ماي، وثقل طنجة، وقلق الشغيلة، وغضب الطبقة الوسطى، لتمرير رسالة واضحة: الحكومة تُحاسَب بما تحقق في حياة الناس، لا بما يُقال في منصات التواصل والتقارير الرسمية.
وفي انتظار ما ستفرزه صناديق 2026، تبدو خرجة طنجة أكثر من خطاب عابر في عيد الشغل؛ إنها محاولة لإعادة تشغيل الذاكرة المعارضة لحزب “الوردة”، وفتح معركة سياسية عنوانها الكبير: جيب المواطن قبل لغة الأرقام.
