بقلم: الباز عبدالإله
تحولت جلسة اليوم الثلاثاء بمجلس النواب إلى نقاش سياسي ودستوري حاد، بعد غياب الحكومة عن أشغال جلسة خُصصت لدراسة مقترحات القوانين.
غياب فجّر خلافاً واضحاً بين المعارضة والأغلبية حول حدود حضور السلطة التنفيذية داخل البرلمان، وحول القيمة الفعلية للمبادرة التشريعية حين تُناقش في قاعة تخلو من ممثلي الحكومة.
الأغلبية استندت إلى قرار المحكمة الدستورية الصادر سنة 2025، واعتبرت أن حضور الحكومة خلال مناقشة مقترحات القوانين يبقى اختيارياً، وأن سلامة الجلسة لا تتوقف على وجود الوزراء.
غير أن المعارضة رأت في هذا الغياب علامة سلبية، تمس صورة المؤسسة التشريعية، وتبعث برسالة غير مريحة حول الطريقة التي تتعامل بها السلطة التنفيذية مع مقترحات النواب.
المفارقة أن الحكومة تحضر بقوة حين يتعلق الأمر بمشاريع قوانين صادرة عنها، وتدافع عنها داخل اللجان والجلسات، وتستند إلى أغلبيتها لتمرير اختياراتها. أما حين تكون المبادرة برلمانية، يصبح الحضور قابلاً للتأويل بين الاختيار القانوني والتقدير السياسي.
وهنا بالضبط يظهر الفارق بين سلامة المسطرة وقوة المؤسسة.
عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، أثار الإشكال من زاوية دستورية، معتبراً أن حضور الحكومة ليس تفصيلاً شكلياً، بل جزء من علاقة يفترض أن تقوم على التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
فمقترحات القوانين المعروضة لا تناقش في فراغ، بل ترتبط بقطاعات حكومية وسياسات عمومية ومصالح مواطنين، ولذلك فإن حضور السلطة التنفيذية يمنح النقاش قيمته المؤسساتية والسياسية.
الموقف نفسه حضر لدى مكونات أخرى من المعارضة.
فقد اعتبر عبد الرحيم شهيد، رئيس الفريق الاشتراكي، أن من غير المألوف أن يناقش النواب نصوصاً مرتبطة بقطاعات حكومية دون حضور ممثلي هذه القطاعات، خاصة مع غياب الوزارة المكلفة بالعلاقة مع البرلمان.
أما إدريس الشطيبي، فانتقد أن يتحول بعض النواب إلى مدافعين عن الحكومة داخل البرلمان، معتبراً أن المؤسسة التشريعية أولى بالدفاع عن مكانتها وهيبتها.
سعيد بعزيز بدوره ذهب إلى أن المسألة لا تقف عند حدود القانون، بل ترتبط بالاحترام السياسي للمؤسسة وبمدى جدية الحكومة في الإنصات إلى المبادرات القادمة من ممثلي الأمة.
أما فاطمة التامني فاعتبرت أن الغياب يكشف تعاملاً انتقائياً مع البرلمان، إذ تحضر الحكومة عندما تكون المبادرة منسجمة مع أجندتها، وتغيب عندما يكون مصدرها النواب.
في الجهة المقابلة، دافع ياسين عكاشة، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، عن موقف الأغلبية، مؤكداً أن قرار المحكمة الدستورية واضح في اعتبار حضور الحكومة اختيارياً، سواء داخل اللجان أو خلال الجلسات العامة المخصصة لمقترحات القوانين.
ومن هذا المنطلق، اعتبر أن دستورية الجلسة قائمة، وأن النقاش لا ينبغي أن يتحول إلى تشكيك في سلامة أشغال البرلمان.
فريق الأصالة والمعاصرة قدم قراءة أخرى، إذ اعتبر أحمد التويزي أن حضور الحكومة قد يُفهم، في بعض الحالات، كتدخل في عمل البرلمان، وأن المؤسسة التشريعية قادرة على ممارسة اختصاصها دون انتظار السلطة التنفيذية.
كما ذهب هشام المهاجري إلى أن الحكومة ملزمة بتقديم موقفها من مقترحات القوانين، لكن حضورها داخل الجلسة يبقى مسألة اختيارية لا إلزامية.
غير أن هذا الدفاع القانوني لا يلغي الإشكال السياسي.
فالجلسة قد تكون سليمة من حيث الشكل، لكن ذلك لا يعني أن صورتها مكتملة أمام الرأي العام.
البرلمان لا يضعف فقط عندما تُخرق مساطره، بل يضعف أيضاً عندما تظهر مبادرات نوابه وكأنها أقل أهمية من مشاريع القوانين الحكومية.
هنا تظهر حساسية النقاش. فالاستقلالية لا تعني أن يُترك البرلمان وحيداً في مواجهة مقترحات يفترض أن تهم قطاعات حكومية.
والتعاون بين السلط لا يعني أن تتحول الحكومة إلى وصية على النقاش التشريعي.
المطلوب هو توازن يحفظ للبرلمان حقه في المبادرة، ويفرض على الحكومة أن تتعامل مع هذه المبادرة بالجدية نفسها التي تطلبها لنصوصها.
الكرسي الحكومي الفارغ كان أبلغ من كثير من المداخلات.
فقد اختصر وضعاً يعرفه العمل البرلماني منذ سنوات: النواب يملكون حق اقتراح القوانين، لكن هذا الحق كثيراً ما يصطدم بثقل الحكومة وبموقف الأغلبية. وعندما تغيب الحكومة عن النقاش، ثم يتكفل نواب بالدفاع عن هذا الغياب، يصبح السؤال الحقيقي متعلقاً بمكانة البرلمان لا فقط بحضور الوزراء.
صحيح أن قرار المحكمة الدستورية حسم الجانب القانوني، لكن السياسة لا تُدار بالنصوص وحدها.
فليس كل ما تسمح به المسطرة يرفع منسوب الثقة في المؤسسات، وليس كل غياب قانوني يكون مقبولاً سياسياً. وفي حالة جلسة اليوم الثلاثاء، ظهر أن المشكل لا يرتبط فقط بشرعية الانعقاد، بل بصورة البرلمان وهو يناقش قوانين تمس المواطنين دون حضور الجهة التي ستتولى تنفيذها أو التعاطي مع آثارها.
القانونية قد تمنع الطعن في الجلسة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة الهيبة.
والبرلمان لا يحتاج فقط إلى نصوص تؤكد اختصاصاته، بل إلى ممارسة يومية تعطي لهذه الاختصاصات معناها.
أما الحكومة، فحتى عندما لا تكون ملزمة بالحضور، فإن حضورها في مثل هذه المحطات يظل رسالة احترام للمؤسسة وللمبادرة التشريعية.
جلسة اليوم الثلاثاء كشفت أن المعركة الحقيقية ليست حول من يملك حق الغياب، بل حول من يملك وزن الحضور في صناعة القرار.
وإذا كان البرلمان يريد أن يحافظ على صورته كمؤسسة تشريعية قائمة بذاتها، فإن أول ما يحتاجه هو أن يدافع نوابه عن موقعه قبل أن يدافعوا عن حسابات الأغلبية والمعارضة.
فالقوة لا تقاس فقط بسلامة المسطرة، بل بقدرة المؤسسة على فرض احترامها داخل ميزان السلطة.
