بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن النقاش الذي جرى بمجلس النواب بين وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، والنائبة الاتحادية سلوى الدمناتي، مجرد تبادل عابر للكلام، بل أعاد إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتكرر كلما تحدثت الحكومة عن تبسيط المساطر ورقمنة الإدارة: هل يعيش المقاول المغربي فعلاً ما تقوله الأرقام الرسمية، أم يصطدم يومياً بواقع مختلف داخل الإدارات؟
فحين يتحدث الوزير عن إمكانية إنشاء مقاولة في ثلاثة أيام، قد يكون الأمر صحيحاً في بعض المراحل الشكلية المرتبطة بالتسجيل أو الحصول على الوثائق الأولى. غير أن التجربة لا تنتهي عند هذه الحدود.
فالمقاول لا يبحث فقط عن ورقة تثبت وجود الشركة، بل عن قدرة فعلية على بدء النشاط، والحصول على الرخص، وربط الاتصال بالمصالح المعنية، وتجاوز المساطر التي قد تطول أكثر مما يقال في الخطابات الرسمية.
هنا جاء رد سلوى الدمناتي حاداً ومباشراً، حين اعتبرت أن الحديث عن ثلاثة أيام لا يعكس بالضرورة ما يعيشه عدد من المواطنين والمقاولين، خاصة عندما يبدأ الاحتكاك اليومي بالإدارة.
فالطريق، في نظرها، لا يتوقف عند المنصة الرقمية، بل يمتد إلى الجماعات المحلية، والمصالح الخارجية، والشهادات، والتراخيص، والمواعيد، والتنقل بين مكتب وآخر.
المشكل، كما طرحته الدمناتي، لا يتعلق بوجود منصات رقمية فقط، بل بمدى اشتغالها فعلياً، وبمدى قبول الإدارة نفسها بنتائجها.
ففي حالات كثيرة، يجد المرتفق نفسه مطالباً بوثيقة ورقية رغم أنها متوفرة رقمياً، أو مضطراً إلى الحضور الشخصي رغم أن المسطرة قيل إنها إلكترونية، أو ينتظر جواباً لأن الموقع لا يشتغل أو لأن الملف يحتاج إلى توقيع آخر.
وهنا تظهر المفارقة التي يعرفها كثير من المواطنين: الإدارة تتحدث عن الرقمنة، لكن المرتفق لا يزال يحمل ملفه الورقي بيده. يدخل من بوابة إلكترونية، ثم يعود إلى النسخ، والمصادقة، والطابع، والانتظار.
لذلك لم تعد عبارة “سير واجي” مجرد نكتة شعبية، بل صارت تلخص تجربة يومية يعيشها كثيرون مع بعض المرافق الإدارية.
وتوقفت النائبة الاتحادية أيضاً عند طريقة الولوج إلى بعض الإدارات، حين يصبح المواطن مطالباً بمعرفة اسم المسؤول أو المصلحة التي يقصدها قبل أن يُستقبل.
وهذا، في حد ذاته، يكشف أن جزءاً من المشكل لا يرتبط فقط بالقانون أو المنصة، بل بثقافة إدارية ما زالت تحتاج إلى تغيير عميق.
فالاستثمار في المغرب لا يحتاج فقط إلى مواقع إلكترونية ومنصات حديثة، بل يحتاج إلى إدارة واضحة، تستقبل المواطن، ترشده، وتختصر عليه الطريق. يحتاج إلى موظف يثق في الوثيقة الرقمية، وإلى مساطر مفهومة، وآجال محترمة، وربط حقيقي بين الإدارات، حتى لا يتحول تأسيس المقاولة إلى رقم جميل في العرض الرسمي، وتجربة مرهقة في الواقع.
المقاول لا يعيش من المؤشرات، بل من الرخص.
ولا يبني مشروعه بالتصريحات، بل بالوضوح الإداري.
لذلك فإن الرقمنة التي لا تختصر الوقت، ولا تنهي التنقل المتكرر بين المصالح، ولا تقلص الحاجة إلى الوساطة، تبقى ناقصة مهما كانت منصاتها أنيقة.
والرهان اليوم لا يرتبط فقط بتحسين صورة المغرب في التقارير الدولية، بل باستعادة ثقة الشباب في الإدارة وفي إمكانية إطلاق مشاريعهم داخل بلدهم.
فكل تأخير غير مبرر، وكل وثيقة إضافية، وكل مسطرة غامضة، تضعف حماس المبادرة وتدفع كثيرين إلى فقدان الثقة أو التفكير في بدائل أخرى.
الرقمنة الحقيقية ليست شعاراً تقنياً، بل طريقة جديدة في التعامل مع المواطن.
وهي لا تكتمل إلا عندما يشعر المقاول البسيط أن الإدارة تسهّل عليه الطريق فعلاً، لا أنها تنقله من شباك ورقي إلى شباك إلكتروني ثم تعيده إلى نفس الطابور.
وهنا يبقى السؤال مطروحاً: هل يمكن أن ينزل المسؤولون إلى ردهات الإدارة ليروا كيف تتحول “الأيام الثلاثة” عند كثير من المقاولين إلى مسار طويل من الانتظار؟
