بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن البلاغ الأخير للمكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، الصادر عقب اجتماعه العادي المنعقد يوم الخميس 30 أبريل 2026، مجرد وثيقة تنظيمية داخلية، بل بدا أقرب إلى إعلان سياسي مبكر عن دخول الحزب مرحلة ترتيب المسافة مع كلفة المرحلة الحكومية، وهو يستعد لمعركة انتخابية لا تبدو سهلة في أفق 2026.
فالبلاغ الذي نشرته فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للأمانة العامة للحزب، اختار لغة تجمع بين تثمين الحصيلة الحكومية من جهة، والتنبيه إلى اختلالات اجتماعية واقتصادية من جهة ثانية، خصوصاً في ملفات المحروقات، وارتفاع الأسعار، وأسواق الماشية، والقدرة الشرائية.
غير أن المفارقة العجيبة تكمن في أن الحزب، وهو أحد أعمدة الأغلبية الحكومية، بدا في بعض فقرات البلاغ كما لو أنه يخاطب حكومة يقف خارجها، لا حكومة يشارك في قراراتها وتوجهاتها.
لقد حرص المكتب السياسي على الإشادة بما وصفه بالمجهودات الاستثنائية التي بذلتها الحكومة الحالية لتحسين الوضع الاجتماعي للمواطنات والمواطنين، من خلال الرفع من الأجور، ومعالجة ملفات مهنية ظلت عالقة لسنوات، وتقوية الحوار الاجتماعي بكلفة مالية قال البلاغ إنها ستبلغ حوالي 50 مليار درهم مع نهاية السنة الجارية.
وهي صيغة مفهومة من حزب يشارك في الأغلبية، ويريد الدفاع عن جزء من الحصيلة التي يتحمل سياسياً نصيباً من مسؤوليتها.
لكن البلاغ، مباشرة بعد هذا التنويه، انتقل إلى لغة أخرى حين اعتبر أن القضية الاجتماعية لم تعد قضية سوء تدبير، بل أصبحت تحدياً حقيقياً أمام الانتقال الاجتماعي نحو ما سماه “المغرب الصاعد”، داعياً إلى تجديد التفكير، وتطوير الآليات، وحكامة دقيقة في التنزيل.
هنا تبدأ المفارقة: من يطالب بتجديد التفكير وتطوير الآليات؟ هل هو حزب خارج دائرة القرار، أم حزب يملك وزراء ومسؤولين داخل الحكومة نفسها؟
الأمر نفسه يبرز في ملف المحروقات.
فقد تحدث البلاغ عن توجس المواطنات والمواطنين من استمرار ارتفاع أسعار المحروقات وانعكاس ذلك على الأسعار واستفحال معدلات التضخم، قبل أن يؤكد ضرورة سن مقاربة شمولية واتخاذ تدابير اقتصادية واجتماعية جريئة، مع مراقبة صارمة للأسعار داخل الأسواق.
واللغة هنا، رغم طابعها المسؤول، تضع الحزب في موقع الناصح للحكومة، لا في موقع الشريك الذي يفترض أنه ساهم في صناعة جزء من القرار أو على الأقل في الدفاع عنه داخل مؤسسات الأغلبية.
هذا التوازن اللغوي ليس بريئاً سياسياً.
فالأصالة والمعاصرة يدرك أن كلفة الغلاء لا تتحملها الحكومة كجهاز تقني فقط، بل تتحملها الأحزاب المشكلة للأغلبية أمام الناخبين.
لذلك يحاول البلاغ أن يرسم مسافة محسوبة: الحزب مع الحكومة حين يتعلق الأمر بالحصيلة والأرقام، لكنه قريب من المواطن حين يتعلق الأمر بالقلق والأسعار والقدرة الشرائية.
إنها معادلة دقيقة، لكنها تحمل سؤالاً سياسياً محرجاً: هل يمكن لحزب في قلب الأغلبية أن يطالب الحكومة بالجرأة دون أن يُسأل عن حدود جرأته هو داخلها؟
وفي ملف الماشية واقتراب عيد الأضحى، حاول الحزب تقديم تشخيص أكثر تفصيلاً، معتبراً أن الإشكال لا يكمن في الإنتاج بقدر ما يرتبط بسلسلة التوزيع.
ودعا إلى التعجيل بالمرحلة الثانية من الدعم المالي المباشر للفلاحين، وتجهيز الأسواق الاستثنائية الخاصة ببيع الأضاحي، وتمكين الفلاحين من فرصة أطول للبيع المباشر للمواطنين، إضافة إلى اقتراح صرف أجور شهر ماي مبكراً وعبر دفعات لتفادي أي ضغط محتمل داخل الأسواق.
هذه المقترحات تبدو عملية من حيث الشكل، لكنها تكشف أيضاً أن الحزب بدأ يتعامل مع الملفات الاجتماعية بعيون انتخابية واضحة.
فأسعار الأضاحي، مثلها مثل المحروقات والمواد الأساسية، لم تعد مجرد أرقام في نشرات اقتصادية، بل تحولت إلى اختبار مباشر لعلاقة المواطن بالأغلبية.
وكل حزب داخل الحكومة يعرف أن صندوق الاقتراع لا يقرأ البلاغات الطويلة بقدر ما يتذكر الثمن في السوق، والفاتورة في المحطة، والقدرة الفعلية على تدبير مصاريف العيد.
في المقابل، حمل الشق التنظيمي من البلاغ رسالة أكثر وضوحاً: الأصالة والمعاصرة دخل رسمياً مرحلة التعبئة الانتخابية.
فقد صادق مكتبه السياسي على الخطوط العريضة للبرنامج الانتخابي والعرض السياسي الذي سيدخل به الحزب انتخابات 2026، بعد عمل امتد لأزيد من سنة عبر أكثر من 24 مجموعة عمل، وبالاستناد إلى تقارير رسمية ولقاءات ميدانية واستقراء واقع الحياة في مختلف مناطق وقرى المغرب.
وهنا يبدو الحزب حريصاً على تقديم نفسه ليس فقط كحزب مشارك في التدبير، بل كقوة سياسية تستعد لعرض جديد، بمرجعية تقوم على “المغرب الصاعد” والنموذج التنموي الجديد ومحرك اقتصادي واجتماعي مغربي أكثر جرأة.
غير أن السؤال الذي يرافق هذا الخطاب هو نفسه: إذا كانت الجرأة مطلوبة اليوم، فلماذا لم تتحول إلى ممارسة حكومية واضحة خلال السنوات الماضية، خصوصاً في الملفات التي يشتكي منها المواطن يومياً؟
الجزء الأخير من البلاغ جاء بدوره محملاً برسائل سياسية قوية، حيث أعلن المكتب السياسي تضامنه مع قيادة الحزب، ولا سيما فاطمة الزهراء المنصوري، في مواجهة ما وصفه بحملات التشهير والاستهداف، معتبراً أن الأمر لا يتعلق بحرية الرأي أو التنافس السياسي النزيه، بل بمحاولات تستهدف الصورة المعنوية للحزب ورموزه. هذه الفقرة تكشف أن معركة 2026 لن تكون فقط معركة برامج وحصيلة، بل أيضاً معركة صورة وسمعة ومواقع داخل الفضاء الرقمي.
من هذه الزاوية، يبدو البلاغ محاولة لإعادة ترتيب موقع الحزب في لحظة سياسية دقيقة. فهو لا يريد مغادرة مربع الأغلبية، ولا يستطيع أن يتبرأ من الحكومة التي يشارك فيها، لكنه في الوقت نفسه لا يرغب في دخول الانتخابات المقبلة محمولاً فقط على حصيلة مثقلة بأسئلة الغلاء والمحروقات والقدرة الشرائية.
لذلك جاءت الصياغة حذرة: إشادة بالحكومة، ثم دعوة إلى الجرأة؛ دفاع عن الحصيلة، ثم اعتراف بالقلق؛ إعلان جاهزية انتخابية، ثم حديث عن الاستهداف والتشهير.
الخلاصة أن بلاغ الأصالة والمعاصرة يكشف عن بداية تمرين سياسي مألوف قبل المحطات الانتخابية: كيف يحافظ حزب مشارك في الحكومة على امتيازات الشراكة، دون أن يدفع وحده كلفة الحصيلة؟ وكيف يتحدث عن الغلاء بلسان المواطن، وهو جزء من الأغلبية التي تتحمل مسؤولية تدبيره؟ بين منطق الشريك الحكومي ونبرة الناصح، يحاول “الجرار” أن يصنع لنفسه مسافة آمنة.
لكن هذه المسافة ستظل صعبة الإقناع ما دام السؤال قائماً: حين يطالب حزب في الحكومة الحكومة بالجرأة، فأين كان وزراؤه من القرار؟
