بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن مشهد الكراسي الحكومية الشاغرة، اليوم الثلاثاء، في جلسة تشريعية بمجلس النواب مجرد تفصيل عابر، بل إشارة واضحة إلى حدود العلاقة بين الحكومة والبرلمان حين يتعلق الأمر بمقترحات القوانين.
وبينما كان النواب ينتظرون حضور الحكومة لمناقشة مبادرة تشريعية مضمونة بالدستور، جاء رد مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان، بمنطق قانوني صارم يجيب عن جانب من الموضوع ويترك جانبه السياسي مفتوحاً.
استند بايتاس إلى قرار المحكمة الدستورية، معتبراً أن حضور الحكومة “اختياري” وليس واجباً. من الناحية القانونية، قد يبدو هذا الكلام مفهوماً.
لكن سياسياً، لا يكفي أن يكون الحضور غير ملزم حتى يصبح الغياب عادياً أمام مؤسسة تمثل الناخبين.
فحين تقول الحكومة إن حضورها اختياري أمام ممثلي الأمة، فهي لا تقدم فقط جواباً إجرائياً، بل ترسل رسالة سياسية مفادها أن المبادرة البرلمانية لا تحظى دائماً بالوزن نفسه الذي تحظى به المبادرة الحكومية.
وهنا لا يعود النقاش حول الحضور والغياب فقط، بل حول موقع البرلمان داخل صناعة القرار التشريعي.
الأكثر حساسية في مداخلة بايتاس أنه اعتبر الحكومة غير ملزمة بتعليل موقفها من مقترحات القوانين بمنطق تعليل القرارات الإدارية، لأن الأمر، حسب منطقه، سياسي وليس إدارياً.
قد يكون هذا التوضيح مفهوماً من زاوية تقنية، لكنه لا يلغي حاجة البرلمان إلى شرح سياسي كافٍ، لأن الأمر لا يتعلق بوثائق عابرة، بل بمبادرات تشريعية يفترض أن تجد جواباً واضحاً من الحكومة.
فإذا كانت الحكومة غير ملزمة بالحضور، وغير ملزمة بالشرح الكافي، فإن المساءلة السياسية تصبح محدودة في هذا الباب، وتفقد مقترحات القوانين جزءاً من قيمتها العملية حين تظل معلقة على تقدير الحكومة وحدها؛ تحضر متى شاءت، وتغيب متى شاءت، وتقبل أو ترفض دون نقاش مباشر.
رفض بايتاس وصف الغياب بـ“الاستهتار”، وهذا حقه.
لكن المشكل ليس في العبارة، بل في الأثر. فحين تُناقش قوانين تهم الشأن العام في غياب الحكومة، فالرسالة التي تصل إلى المواطن بسيطة ومقلقة: البرلمان يناقش، والحكومة تختار متى تنصت.
نجح بايتاس في الدفاع عن موقف الحكومة قانونياً، لكنه لم يقدم جواباً سياسياً مقنعاً فالديمقراطية لا تقوم على النصوص وحدها، بل على ممارسات تحترم التوازن بين المؤسسات، وتجعل التعاون بين السلط ممارسة يومية لا مجرد شعار.
تحويل “اختيارية الحضور” إلى عادة قد يضعف المبادرة التشريعية البرلمانية، ويجعلها تمريناً محدود الأثر أمام حكومة تملك القرار والموارد والزمن السياسي.
وهنا يكمن الخطر: ليس أن تغيب الحكومة مرة، بل أن يصبح الغياب أسلوباً في التعامل مع البرلمان.
لذلك، فإن كلام بايتاس أنهى النقاش من زاوية الإلزام القانوني، لكنه فتحه من زاوية المسؤولية السياسية.
وما بقي بعد جلسة اليوم الثلاثاء هو هذا المعنى السياسي الواضح: قيمة البرلمان لا تُقاس فقط بما يسمح به النص، بل بما تفرضه الممارسة من احترام للنقاش وحضور في لحظاته الأساسية.
