بقلم: الباز عبدالإله
لم تكن مداخلة عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، أمس الاثنين بالبرلمان، مجرد انتقاد عابر لمشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، بل كانت تنبيهاً سياسياً وقانونياً إلى مسار يثير أكثر من سؤال حول مستقبل التنظيم الذاتي للمهنة.
بوانو خاطب وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، بنبرة واضحة، معتبراً أن الحكومة كانت أمام فرصة حقيقية لإعادة فتح النقاش بعد ملاحظات المحكمة الدستورية وآراء عدد من المؤسسات الدستورية، لكنها اختارت، حسب مضمون مداخلته، الاستمرار في المسار نفسه بدل مراجعة النص بروح توافقية أوسع.
أقوى ما في مداخلة بوانو كان توقفه عند علاقة الدعم العمومي بتمثيلية الناشرين داخل المجلس.
فالدعم الذي وُضع في سياق جائحة كورونا لمساعدة المقاولات الصحافية على أداء أجور العاملين، لا ينبغي، في نظره، أن يتحول لاحقاً إلى عنصر يقوّي موقع بعض الناشرين داخل المعادلة الانتخابية، خاصة حين تُربط التمثيلية برقم المعاملات والرأسمال وعدد المستخدمين.
هنا يطرح بوانو سؤالاً حرجاً: هل نحن أمام مجلس يراد له أن يحمي استقلالية المهنة وتوازن مكوناتها، أم أمام صيغة قد تمنح الأفضلية لمن يملك قدرة مالية أكبر داخل القطاع؟ فالتنظيم الذاتي للصحافة لا يمكن أن يستقيم إذا شعر جزء من المهنيين بأن قواعد التمثيل لا تمنحهم نفس المسافة ولا نفس الحظوظ.
ولم يتوقف انتقاد بوانو عند الناشرين، بل شمل أيضاً طريقة تمثيل الصحافيين، معتبراً أن التصويت على لوائح مغلقة يفرغ العملية الانتخابية من معناها المهني.
فالصحافي، في نظره، ينبغي أن يختار أشخاصاً ببرامج وتصورات واضحة، لا أن يجد نفسه أمام لوائح جاهزة قد لا تعكس التنوع الحقيقي داخل الجسم الصحافي.
كما استحضر بوانو قرار المحكمة الدستورية، معتبراً أنها نبّهت بوضوح إلى خطر هيمنة فئة معينة داخل المجلس.
ومن هذا المنطلق، رأى أن استمرار المشروع بالصيغة الحالية قد يضع المجلس المقبل أمام أزمة ثقة قبل أن يبدأ عمله، لأن أي مؤسسة مهنية لا تحتاج فقط إلى نص قانوني، بل إلى شرعية داخل القطاع الذي تمثله.
وخاطب بوانو الوزير بنسعيد داعياً إياه إلى استثمار محطة مجلس المستشارين لتصحيح المسار، مؤكداً أن الأمر لا يتعلق بمزايدة سياسية، بل بإصلاح مؤسسة يفترض أن تكون عنواناً للتعددية والاستقلالية والتنظيم الذاتي.
كما حذر من أن المجلس، إذا خرج بصيغة لا تحظى بثقة واسعة، قد يجد نفسه أمام صعوبات حقيقية في الاستمرار.
في العمق، فتحت مداخلة بوانو نقاشاً يتجاوز تفاصيل انتخابية وتقنية فالأمر لم يعد مرتبطاً فقط بمن سيمثل الصحافيين والناشرين داخل المجلس، بل بطبيعة المجلس نفسه: هل سيكون مؤسسة مهنية متوازنة تحمي الصحافة، أم بنية قانونية جديدة تعيد إنتاج اختلالات قديمة بواجهة أكثر تنظيماً؟
