بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن مرور نزار بركة، وزير التجهيز والماء، بمجلس المستشارين اليوم الثلاثاء 5 مايو 2026، مجرد عرض تقني لتقدم بعض الأوراش أو لصيانة النقط الطرقية السوداء، بل بدا كرسالة سياسية ناعمة من داخل البيت الحكومي نفسه، تضع خطاب الانسجام والالتقائية أمام امتحان الواقع.
فحين يقرّ وزير في قلب الحكومة بأنه لا يمكن برمجة مدرسة دون طريق، ولا إحداث مستشفى دون التفكير في الماء والكهرباء وشروط الولوج، فإن الأمر لا يتعلق بتفصيل إداري عابر، بل باعتراف ضمني بحدود التنسيق بين القطاعات.
مدارس بلا ماء، ومستشفيات بلا طرق وصول، ليست مجرد أخطاء تقنية، بل صورة مكثفة عن تنمية تصل أحياناً إلى المواطنين ناقصة، خصوصاً في المناطق النائية.
لقد وضع بركة يده على واحد من أعقد أعطاب التدبير العمومي: منطق “الوزارات الجزر”، حيث يشتغل كل قطاع بمنطقه، بينما يجد المواطن نفسه أمام مشروع ناقص منذ البداية.
فالهدر المدرسي، كما أشار الوزير، لا يرتبط فقط بالفقر أو بعد المسافة، بل أيضاً بغياب شروط بسيطة داخل المؤسسة التعليمية، وفي مقدمتها الماء.
حين لا تتوفر المدرسة على هذه المادة الحيوية، يصبح الحديث عن تكافؤ الفرص ناقصاً، مهما ارتفعت لغة الأرقام والميزانيات.
سياسياً، لا يمكن فصل هذا التصريح عن سياق 2026 وحسابات المرحلة الانتخابية فحزب “الميزان”، وهو جزء من الأغلبية، يبدو كأنه يحاول التمايز عن خطاب الحصيلة الوردية، عبر إبراز أعطاب ملموسة يعرفها المواطن في العالم القروي قبل أن يسمعها تحت قبة البرلمان.
وهذا التمايز لا يعني بالضرورة خروجاً من الحكومة، لكنه يكشف أن مكونات الأغلبية بدأت تبحث عن مسافة في الخطاب قبل موعد الصناديق.
المواطن اليوم لا ينتظر سجالاً ناعماً بين الوزراء، ولا يهمه من يتحمل المسؤولية أكثر من غيره، بقدر ما يسأل عن النتيجة: مدرسة بماء وطريق، مستشفى يمكن الوصول إليه، ومرفق عمومي يولد مكتملاً لا ناقصاً. فالحكومة لا تُقاس فقط بما تعلنه من مشاريع، بل بقدرتها على جعل هذه المشاريع مترابطة ونافعة وقابلة للاستعمال.
تصريحات بركة اليوم تضع الحصيلة الحكومية أمام مرآة دقيقة: لا معنى للتنمية حين تُدار بمنطق القطاعات المتفرقة، ولا جدوى من “الدولة الاجتماعية” إذا بقيت بعض مدارسها بلا ماء وبعض مرافقها معزولة عن الطريق.
التنمية الحقيقية لا تبنى بالصور الرسمية، بل بمشاريع تحترم ذكاء المغاربة وحقهم في خدمات تصلهم كاملة، لا نصف جاهزة.
