بقلم: الباز عبدالإله
تضع التعيينات الأخيرة في بعض القطاعات الوزارية أكثر من علامة استفهام حول المعايير التي تحكم الوصول إلى مناصب المسؤولية داخل الإدارة المغربية.
وما يروج حول مديرية الصناعة التقليدية بإقليمي الجديدة وسيدي بنور لم يعد مجرد خبر إداري عابر، بل تحول إلى نقاش حول معنى الاستحقاق في زمن ترفع فيه الحكومة شعارات التخليق وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالكفاءة.
القضية، كما تناولتها بعض المنابر الإعلامية، ومنها موقع “نيشان”، لا ينبغي أن تُقرأ كاستهداف لشخص بعينه أو كحكم مسبق على مساره، بل كمساءلة للمنطق الذي يحكم بعض التعيينات.
فحين يبرز اسم إطار شاب لتولي مسؤولية إقليمية في قطاع حساس كالصناعة التقليدية، تبرز استفهامات حول ما يجعل مسار البعض أسرع من غيرهم: هل يتعلق الأمر بتراكم مهني واضح؟ أم بكفاءة فرضت نفسها؟ أم بمعايير أخرى لا تظهر دائماً في الواجهة؟
الإدارة المغربية ليست فارغة من الكفاءات.
داخل المديريات والمصالح توجد أطر قضت سنوات طويلة في الاشتغال الصامت، وموظفون يعرفون الملفات من الداخل، وطاقات راكمت تجربة وسط الإكراهات اليومية.
لذلك، حين يصعد اسم جديد بسرعة إلى موقع مسؤولية، لا يبقى النقاش محصوراً في هوية المعين، بل يمتد إلى طريقة التعيين ومعاييره، ومدى وضوح الفرص أمام باقي الأطر.
قطاع الصناعة التقليدية بالجديدة وسيدي بنور ليس مجرد مكاتب أو واجهة بروتوكولية.
إنه قطاع مرتبط بالحرفيين، والتعاونيات، والتكوين، والتسويق، والتمويل، وبأسر كثيرة تعيش من عرق اليد والمعرفة المتوارثة.
قطاع بهذا الحجم يحتاج إلى فهم دقيق للميدان، وإلى مسؤول يعرف أن مشاكل الصناع لا تُحل بالصور والاجتماعات وحدها، بل بالإنصات، والتتبع، والاحتكاك اليومي.
وهنا يبرز جوهر النقاش: هل تحتاج هذه المرحلة إلى بروفايلات صاعدة بسرعة، أم إلى خبرات ميدانية عجنتها الممارسة وسط الأسواق والتعاونيات ومطالب الحرفيين؟ ومن الأجدر بفك شفرات هذا القطاع: من راكموا سنوات من التجربة داخل الإدارة والميدان، أم من حملتهم رياح التعيينات الجديدة إلى مواقع المسؤولية في ظرف قصير؟
ليست المشكلة في الشباب ولا في تجديد النخب. المغرب يحتاج إلى وجوه جديدة ودماء قادرة على تحريك الإدارة.
لكن تجديد النخب لا يعني اختصار الخبرة، ولا القفز على التدرج، ولا ترك الانطباع بأن القرب من دوائر معينة قد يكون أسرع من سنوات العمل.
الشباب المؤهل مكسب للإدارة، أما التعيينات التي تثير الأسئلة دون أجوبة واضحة، فتتحول إلى عبء على صورة المؤسسات حتى قبل أن تظهر نتائجها.
غياب الشفافية في شرح مسوغات بعض التعيينات يفتح الباب أمام التأويلات.
فحين يرى موظف قضى سنوات داخل القطاع أن مواقع المسؤولية قد تُفتح أمام مسارات أقل أقدمية، فمن الطبيعي أن يتساءل في صمت: هل الطريق إلى المسؤولية يمر عبر الاجتهاد والتجربة وتطوير الذات، أم عبر ممرات أخرى لا تعلن عن نفسها في النصوص الرسمية؟
المغاربة يقرأون الإشارات بسرعة. لم يعد المواطن يحتاج إلى خطابات طويلة كي يميز بين الشعار والممارسة.
يكفي أن يقارن بين الحديث عن الدولة الاجتماعية وواقع الإدارة، بين شعار تكافؤ الفرص وطريقة تدبير المسؤوليات، بين دعوات التخليق وبين تعيينات تترك وراءها ظلالاً من التساؤل.
وقد زاد حضور هذا الملف في نقاش جلسة القطاعات من حساسية الموضوع، بعدما لم تعد التعيينات تُقرأ كوقائع معزولة، بل كجزء من طريقة تدبير بعض مواقع المسؤولية داخل هذه الحكومة.
فحين يلاحظ الرأي العام أن عدداً من شباب الحزب القائد للحكومة وجدوا طريقهم إلى مواقع ومناصب مختلفة، بينما يظل شباب الوطن، من خارج الدوائر التنظيمية والانتخابية، ينتظرون فرصتهم في طابور طويل، ينتقل النقاش من حالة فردية إلى موضوع أوسع حول العدالة في الولوج إلى المسؤولية العمومية.
مع هذه الحكومة، يشتد الانطباع بأن بعض الشباب القريب من الدوائر الحزبية وجد طريقاً أسرع نحو مواقع المسؤولية، بينما بقي شباب الوطن يواجهون المسار الطويل نفسه: مباريات، انتظار، أقدمية، وملفات لا يسمع بها أحد.
هنا يصبح الحديث عن تكافؤ الفرص محتاجاً إلى أدلة عملية، لا إلى شعارات ترفع في المناسبات وتغيب عند توزيع المسؤوليات.
المغرب فيه كفاءات فيه أطر صامتة فيه موظفون يعرفون القطاعات من الداخل فيه شباب قادرون على تحمل المسؤولية بالاستحقاق لا بالانطباع.
لذلك فالنقاش الحقيقي ليس موجهاً إلى اسم بعينه، بل إلى المنهج كله: من يوقف مسلسل التعيينات المثيرة للجدل؟ ومن يضمن أن المسؤولية العمومية تُمنح على أساس الكفاءة، لا على أساس القرب أو الحظ أو الطريق المختصر؟
الإدارة ليست امتداداً للتوازنات الحزبية، ولا ينبغي أن تتحول إلى ممر سريع للمقربين. هي ملك للمواطنين، وواجهتها الأولى هي الثقة.
وكلما شعر المواطن أو الموظف بأن قواعد الصعود غير واضحة، تآكلت تلك الثقة بصمت، وبدأت الشعارات الكبرى تفقد معناها أمام تفاصيل صغيرة لكنها موجعة.
الحكم الحقيقي لن يكون في البلاغات ولا في الصور الرسمية، بل في أثر هذه التعيينات على الأرض.
والحرفيون في الجديدة وسيدي بنور سيكونون أول من يختبر الجواب: هل ستأتي المسؤولية الجديدة بحلول عملية لقطاع متعب، أم سيظل الحرفي يدفع ثمن سياسة تتحدث كثيراً عن التخليق، وتترك الباب مفتوحاً أمام خوارزميات التعيين؟
