بقلم: الباز عبدالإله
كشفت مصادر إعلامية أن القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بالرباط، والقاضي بتحديد التعويض عن نزع الملكية بمنطقة “عنق الجمل” بسلا في حدود 170 درهماً للمتر المربع، خلّف استياءً واسعاً في صفوف عدد من الأسر المتضررة، التي ترى أن هذا المبلغ لا يعكس القيمة العقارية الحقيقية للمنطقة، ولا يراعي التحولات العمرانية الكبرى التي تعرفها ضفتا أبي رقراق خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي هذا القرار في سياق ملف اجتماعي وعقاري حساس، ارتبط منذ أشهر بعمليات هدم وإفراغ طالت عدداً من المساكن، ضمن إجراءات قُدمت على أنها مرتبطة بمحاربة البناء العشوائي وتنظيم المجال العمراني، غير أن عدداً من المتضررين يعتبرون أن التعويضات المقترحة أو المحكوم بها لا تتيح لهم تأمين بدائل سكنية مناسبة، خاصة في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار العقار والكراء بسلا والرباط.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الحكم الاستئنافي جاء بعد قرار ابتدائي سبق أن حدد تعويضات تراوحت بين 300 و500 درهم للمتر المربع، قبل أن يتم تخفيضها إلى 170 درهماً في المرحلة الاستئنافية، وهو ما أثار تساؤلات لدى الأسر المعنية حول معايير التقييم المعتمدة، خصوصاً أن عروضاً سابقة في إطار التراضي، نُسبت إلى وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق، بلغت 250 درهماً للمتر المربع خلال سنوات ماضية.
وتكتسب القضية حساسية إضافية بالنظر إلى موقع منطقة “عنق الجمل”، القريبة من مشاريع عمرانية كبرى، من بينها برج محمد السادس والمسرح الكبير للرباط، حيث يرى متضررون أن التعويض المحدد لا ينسجم مع قيمة المجال المحيط ولا مع الدينامية العقارية التي تعرفها المنطقة.
وبين برج يصعد نحو السماء، وأسر تبحث عن سقف بديل فوق الأرض، تبدو المفارقة قاسية. فالمشكل لا يكمن في المشاريع الكبرى في حد ذاتها، بل في الطريقة التي تُدار بها كلفتها الاجتماعية، حين يجد المواطن البسيط نفسه في آخر الصف، مطالباً بأن يتقبل واقعاً جديداً بتعويض يعتبره غير كافٍ لبداية حياة مستقرة خارج المكان الذي عاش فيه سنوات طويلة.
ويعتبر عدد من السكان أن مبلغ 170 درهماً للمتر المربع لا يكفي، في تقديرهم، لضمان انتقال سكني يحفظ الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي، خاصة بالنسبة لأسر تجد نفسها اليوم أمام سوق عقارية لا ترحم، وأسعار كراء وسكن تتجاوز بكثير قدرة التعويضات المحددة على تأمين بديل مناسب.
وفي مقابل استمرار أشغال التهيئة فوق أجزاء من العقار موضوع النزاع، تؤكد فعاليات محلية أن المتضررين يعتزمون مواصلة المسار القانوني والإداري، من خلال الطعن في القرار ومراسلة الجهات المختصة، أملاً في إعادة النظر في قيمة التعويض بما يراعي موقع العقار والوضعية الاجتماعية للأسر المعنية.
ويعيد ملف “عنق الجمل” إلى الواجهة النقاش حول التوازن المطلوب بين إنجاز المشاريع التنموية الكبرى وضمان حقوق الساكنة المتضررة.
فالمغرب الذي يراهن على مشاريع كبرى وواجهات عمرانية حديثة، يحتاج في الوقت نفسه إلى أن يثبت أن التنمية لا تعني فقط تغيير شكل المدن، بل حماية من يدفعون كلفتها الأولى.
وفي العمق، يضع ملف “عنق الجمل” شعار الدولة الاجتماعية، الذي تردده الحكومة في كل مناسبة، أمام اختبار ميداني لا يحتاج إلى خطب كثيرة.
فالدولة الاجتماعية لا تظهر فقط في البلاغات والبرامج، بل تظهر حين يجد المواطن البسيط نفسه بين مشروع كبير وتعويض صغير، وبين مدينة تُعاد هندستها وحياة يجب ألا تُترك معلقة.
هنا يصبح الإنصاف هو الامتحان الحقيقي: هل تستطيع التنمية أن ترفع الواجهات دون أن تُثقل ظهر من يقفون خلفها؟
