بقلم: الباز عبدالإله
في لحظة يتصاعد فيها النقاش حول تدبير المجالس الترابية وحدود مسؤولية المنتخبين، خرج وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، اليوم الثلاثاء، تحت قبة البرلمان، ليرسم فاصلاً واضحاً بين النقد المشروع والتشكيك الجماعي في كفاءة ونزاهة المنتخبين.
فدفاع الوزير عن المجالس المنتخبة يفتح سؤالاً سياسياً دقيقاً: هل يتعلق الأمر بحماية مبدأ دستوري أصيل، أم بخوف مشروع من تحويل بعض الاختلالات إلى ذريعة لإضعاف الديمقراطية المحلية؟
واعتبر لفتيت، خلال المناقشة التفصيلية لمشروع القانون التنظيمي المتعلق بالجهات بلجنة الداخلية والجماعات الترابية بمجلس النواب، أن وجود إشكالات أو اختلالات لا يبرر الطعن في التجربة الانتخابية أو سحب الاختصاصات من المجالس المنتخبة، باعتبارها اختصاصات تستند إلى مبدأ دستوري ينبغي احترامه.
وهذا الطرح يحمل جانباً مهماً من التوازن، لأنه يرفض منطق التعميم، ويحذر من عودة النزعة المركزية التي قد تجعل المنتخب المحلي مجرد واجهة محدودة القرار.
غير أن قوة هذا الدفاع لا ينبغي أن تحجب الوجه الآخر من النقاش.
فالمواطن الذي يواجه تعثر مشاريع محلية، وضعف خدمات جماعية، وغموضاً في بعض مسارات التدبير، لا ينتظر فقط خطاباً يطمئنه إلى نزاهة المنتخبين، بل ينتظر آليات واضحة للمراقبة والمحاسبة والشفافية.
فالديمقراطية المحلية لا تُحمى بالدفاع عن الاختصاصات وحدها، بل تُحمى أيضاً بضمان ألا تتحول هذه الاختصاصات إلى مجال مغلق بعيد عن أعين الساكنة.
وقارن وزير الداخلية بين المنتخبين والمسؤولين المعينين، معتبراً أن الكفاءة والضعف موجودان في الجانبين معاً.
غير أن هذا التشبيه، رغم وجاهته من حيث المبدأ، يحتاج إلى تدقيق من زاوية المحاسبة.
فالمعين يخضع لمساطر إدارية مباشرة، بينما المنتخب يستند إلى شرعية الصندوق، وهي شرعية ثمينة لا يجب إضعافها، لكنها لا ينبغي أيضاً أن تتحول إلى حماية سياسية من النقد أو المساءلة.
لذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون بين الدفاع عن المنتخبين أو التشكيك فيهم، بل بين لامركزية قوية بلا محاسبة، ولامركزية مسؤولة تقوم على الوضوح، ونشر المعطيات، وتتبع المشاريع، وتفعيل تقارير مؤسسات الرقابة، وربط المسؤولية بالنتائج.
فالمجالس الترابية لا تحتاج إلى وصاية جديدة، لكنها تحتاج إلى ثقة جديدة، والثقة لا تُمنح بالخطاب وحده.
كلام لفتيت يضع اليد على خطر التعميم، وهذا مهم.
لكنه يفتح في المقابل سؤالاً لا يقل أهمية: كيف نحمي المنتخب النزيه دون أن نوفر غطاءً سياسياً لمن يسيء التدبير؟ وكيف نحافظ على الاختصاصات الدستورية دون أن نترك المواطن وحيداً أمام مجالس لا تشرح قراراتها ولا تكشف مسارات إنجاز مشاريعها؟
الديمقراطية المحلية ليست مجرد نصوص يدافع عنها الوزير أمام النواب، بل تجربة يومية يلمسها المواطن في الإنارة، والنقل، والنظافة، والطرق، والرخص، والمرافق.
وإذا كان التعميم خطأً سياسياً، فإن تجاهل أسباب فقدان الثقة خطأ أكبر بين المنتخب والمعين، وبين الاختصاص والمحاسبة، تبقى القاعدة الأبسط هي الأهم: لا ثقة بلا شفافية، ولا شرعية بلا نتائج.
