بقلم: الباز عبدالإله
في الوقت الذي ترفع فيه الدولة شعار الرقمنة والحكامة الجبائية، تبدو معطيات تقرير المفتشية العامة للإدارة الترابية حول جماعة تسلطانت بمراكش، كما أوردتها جريدة “آشكاين”، كأنها تفتح نافذة على نموذج تدبيري ظل يتحرك لسنوات خارج منطق المراقبة الصارمة.
فالتقرير، الممتد على عشرين صفحة، لا يقدم مجرد جرد إداري لملاحظات تقنية، بل يرسم صورة مقلقة عن جماعة ترابية توجد في قلب ضغط عمراني وعقاري كبير، لكنها وجدت نفسها اليوم أمام أسئلة ثقيلة حول الرخص، والجبايات، والتعمير، وتدبير المرفق العام.
أكثر ما يثير الانتباه في الملف هو ما يمكن وصفه بـ“التعمير المقلوب”. فحين يتحدث التقرير، وفق ما نشرته “آشكاين”، عن مشروع سكني ضخم يضم 1860 فيلا فوق مساحة تناهز 66 هكتاراً، مع تسجيل ملاحظات مرتبطة بعدم التقيد ببعض المعايير وغياب تجهيزات أساسية في عدد من المشاريع، يصبح السؤال أكبر من مجرد رخصة إدارية.
نحن أمام إشكال يمس فلسفة الترخيص نفسها: هل يمكن أن يسبق البناء شبكات الماء والتطهير؟ وهل تتحول الاستثناءات والحلول البديلة، مثل حفر الآبار، إلى قاعدة في مجال يفترض أن يخضع لمنطق التخطيط والتهيئة لا لمنطق الترقيع؟
ولا يقل الشق الجبائي حساسية عن التعمير. فالمعطيات التي أوردتها الجريدة حول عدم القيام بالإحصاء السنوي للعقارات الخاضعة للرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية بين 2021 و2025، وما ترتب عن ذلك من إعفاءات وقرارات مالية، من بينها إعفاء شركة عقارية من مبلغ 3.8 مليون درهم، تطرح سؤالاً مباشراً حول حماية مداخيل الجماعة.
فالجماعات الغنية لا تقاس فقط بحجم مواردها، بل بقدرتها على تحصيلها وتوجيهها لخدمة الساكنة، بدل تركها تضيع في مناطق رمادية بين القرار الإداري والتقدير غير المعلل بما يكفي.
كما تكشف المعطيات المنشورة عن جانب آخر لا يقل خطورة، يتعلق بتداخل المسؤولية الانتدابية مع المصالح الجمعوية والسياسية.
فالحديث عن استفادة جمعيات يرأسها أو يسيرها أعضاء بالمجلس من معدات جماعية، وعن رخص منسوبة إلى بعض نواب الرئيسة السابقة، يجعل الملف يتجاوز سؤال الخطأ الإداري إلى سؤال أعمق: أين تنتهي خدمة الصالح العام، وأين يبدأ استعمال الموقع الانتخابي في تدبير موارد وامتيازات يفترض أن تبقى محكومة بالمساواة والشفافية؟
تحرك والي جهة مراكش آسفي، استناداً إلى المادة 64 من القانون التنظيمي للجماعات، يمنح الملف بعداً قانونياً واضحاً. فالأمر لم يعد مجرد نقاش إعلامي حول تقرير رقابي، بل مسار مؤسساتي يفرض تقديم إيضاحات داخل أجل محدد، وقد يفتح الباب أمام ترتيب المسؤوليات الإدارية والسياسية بحسب ما ستكشفه الأجوبة والوثائق.
تسلطانت اليوم ليست مجرد جماعة تحت التفتيش، بل مرآة لسؤال أكبر حول حكامة التعمير والجبايات في الجماعات التي تتحرك داخلها مصالح عقارية قوية.
فقوة الدولة لا تظهر فقط في إطلاق الشعارات الكبرى حول الرقمنة والحكامة، بل في قدرتها على إنزال هذه الشعارات داخل الجماعات، حيث تُمنح الرخص، وتُحصّل الضرائب، ويُدبّر الملك العام. وفي تسلطانت، يبدو الامتحان واضحاً: القانون أولاً، والمصلحة العامة فوق كل اعتبار.
