بقلم: الباز عبدالإله
لم تكن الجلسة العمومية التي عقدها مجلس النواب، صبيحة اليوم الثلاثاء، لمناقشة تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2024 و2025، مجرد محطة عادية في جدول أعمال المؤسسة التشريعية، بل تحولت إلى مشهد سياسي لافت، بعدما طغى عليها حضور محدود للبرلمانيين وأعضاء الحكومة، في لحظة كان يفترض أن تشكل واحدة من أهم محطات الرقابة على تدبير المال العام والسياسات العمومية.
ففي الوقت الذي كانت فيه زينب العدوي، الرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات، تعرض خلاصات مؤسسة دستورية معنية بمراقبة المالية العمومية وتقييم تدبير المؤسسات والمرافق العمومية، بدت القاعة شبه فارغة، في صورة أعادت إلى الواجهة سؤال التفاعل البرلماني مع التقارير الرقابية، وحدود الجدية في تحويل خلاصاتها إلى نقاش سياسي ومؤسساتي منتج.
وحسب ما عاينته مصادر إعلامية، لم يتجاوز عدد نواب فرق الأغلبية حوالي 50 برلمانياً، مقابل حضور يقارب 26 نائباً عن فرق ومجموعة المعارضة، في وقت غاب فيه أغلب رؤساء الفرق البرلمانية، باستثناء رئيس فريق الأصالة والمعاصرة أحمد التويزي، ورئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية علال عمراوي.
هذا الحضور المحدود يطرح أكثر من علامة استفهام، ليس فقط بسبب طبيعة الجلسة، بل لأنها جاءت لمناقشة تقرير يرتبط مباشرة بالحكامة، ونجاعة الإنفاق، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وهي قضايا لا تحتمل التعاطي معها كطقس مؤسساتي عابر، بقدر ما تحتاج إلى إنصات دقيق، ومساءلة واضحة، وتفاعل سياسي يليق بحجم الملاحظات التي تقدمها مؤسسة بحجم المجلس الأعلى للحسابات.
ولم يكن المشهد داخل القاعة أقل دلالة، بعدما سجلت الجلسة ضعفاً في التفاعل والانضباط، مع انشغال عدد من النواب الحاضرين بتصفح هواتفهم المحمولة، ودخول آخرين في أحاديث جانبية، بالتزامن مع مناقشة مضامين تقرير يفترض أن يكون في صلب العمل الرقابي للبرلمان.
كما سجلت الجلسة غياباً حكومياً لافتاً، إذ اقتصر الحضور في بدايتها على الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس، وكاتب الدولة المكلف بالشغل هشام الصابري، قبل أن يلتحق لاحقاً وزير التعليم العالي والبحث العلمي عز الدين ميداوي. وهو حضور محدود قياساً بطبيعة التقرير وما يثيره من قضايا مرتبطة بتدبير عدد من القطاعات والمؤسسات العمومية.
وتكمن المفارقة في أن تقريراً مخصصاً لفحص أعطاب التدبير العمومي نوقش داخل جلسة كشفت، هي الأخرى، عن عطب لا يقل حساسية: ضعف التفاعل السياسي مع آليات الرقابة والمحاسبة.
فالتقارير الرقابية لا تكتسب قيمتها فقط من صدورها أو عرضها داخل البرلمان، بل من قدرة المنتخبين والحكومة على تحويلها إلى مادة للنقاش العمومي، وإلى مدخل لتصحيح الاختلالات وتحسين أداء المرافق والمؤسسات.
وكان رئيس مجلس النواب راشيد الطالبي العلمي قد أعلن، في وقت سابق، عن عقد جلسة عمومية يوم الثلاثاء 12 ماي 2026، تخصص لمناقشة العرض الذي تقدمه الرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات أمام البرلمان، في إطار التفاعل المؤسساتي مع تقارير المجلس باعتباره هيئة دستورية تضطلع بمهام مراقبة المالية العمومية وتقييم تدبير المؤسسات والمرافق العمومية.
غير أن الحضور المحدود أعاد النقاش حول ظاهرة الغياب البرلماني، رغم الإجراءات التنظيمية التي سبق اعتمادها للحد منها، من بينها الاقتطاع من التعويضات المالية ونشر لوائح الحضور.
فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بعدد المقاعد الشاغرة، بل بما تعكسه من ضعف في التفاعل مع لحظات رقابية يفترض أن تكون في صلب العمل البرلماني.
والأخطر أن الأمر لا يتعلق بغياب عن جلسة عادية، بل بجلسة ذات بعد دستوري وسياسي، تناقش واحدة من أكثر القضايا حساسية في علاقة المواطن بالمؤسسات: كيف يُدبَّر المال العام؟ أين تظهر آثار السياسات العمومية؟ ومن يتحمل مسؤولية الاختلالات حين ترصدها مؤسسات الرقابة؟
بهذا المعنى، لم يكن المشهد مجرد قاعة شاغرة، بل رسالة سياسية غير مريحة. فحين يكون المال العام تحت المجهر، يفترض أن يكون الرقيب البرلماني في كامل حضوره ويقظته.
أما أن تعرض مؤسسة رقابية خلاصاتها أمام حضور محدود وتفاعل باهت، فذلك يجعل سؤال المحاسبة نفسه في حاجة إلى محاسبة.
