بقلم: الباز عبدالإله
دخل المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات ISCAE منعطفاً جديداً من النقاش العمومي، بعدما وجهت النائبة البرلمانية فاطمة التامني، عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، سؤالاً كتابياً إلى وزير الصناعة والتجارة، بتاريخ 11 ماي 2026، حول مستقبل هذه المؤسسة العمومية، وما يثار بشأن توجهات قد تمس طبيعتها القانونية والمالية والبيداغوجية.
السؤال البرلماني لم يقف عند حدود الاستفسار الإداري العادي، بل وضع الحكومة أمام ملف حساس يرتبط بما جرى خلال اجتماع المجلس الإداري للمعهد، المنعقد بتاريخ 24 أبريل الماضي، حيث تحدثت التامني عن أجواء مشحونة رافقت النقاش حول ميزانية المؤسسة، وعن عبارة فرنسية لافتة جرى تداولها داخل الاجتماع: “Pas de réforme, pas de budget”، أي: “لا إصلاح، لا ميزانية”.
هذه العبارة لم تمر كجملة تقنية عابرة، بل فتحت باب التأويل السياسي حول طبيعة العلاقة التي تريد الحكومة بناءها مع واحدة من أبرز مؤسسات تكوين الأطر العليا في المغرب.
فحين يصبح التمويل العمومي مرتبطاً بشروط إصلاحية غير واضحة بما يكفي، فإن السؤال لا يعود مالياً فقط، بل يتحول إلى نقاش حول مستقبل المرفق العمومي نفسه.
التامني أثارت، في سؤالها، مخاوف من أن يكون المعهد أمام مسار يقوده تدريجياً نحو نموذج شبه خاص، يقوم على فرض رسوم التسجيل، وتغيير قواعد التسيير، وإعادة النظر في نمط التوظيف داخل المؤسسة.
كما نبهت إلى مقترحات تتعلق بإحداث جمعية لتوظيف الأساتذة خارج المساطر المعمول بها في الوظيفة العمومية، وهو ما اعتبرته توجهاً يحتاج إلى توضيح قانوني وتنظيمي من طرف الوزارة الوصية.
خطورة هذا النقاش لا تكمن فقط في مسألة الميزانية، بل في ما يمكن أن يترتب عنها من آثار على مبدأ تكافؤ الفرص.
فمعهد ISCAE، الذي راكم لعقود مكانة خاصة في تكوين الكفاءات الوطنية في مجالات التجارة والتدبير وإدارة المقاولات، لم يكن مجرد مؤسسة تعليمية عادية، بل شكّل بالنسبة لعدد من الطلبة مساراً للترقي الاجتماعي والمهني، داخل إطار عمومي يفترض أن يضمن الولوج على أساس الاستحقاق لا القدرة المالية.
من هنا، يصبح الحديث عن “الخصخصة الناعمة” أكثر من مجرد توصيف سياسي. فالخصخصة لا تبدأ دائماً بقرار مباشر أو إعلان رسمي، بل قد تبدأ أحياناً بتغيير قواعد التمويل، وفتح الباب أمام الرسوم، ودفع المؤسسة إلى البحث عن مواردها الذاتية، ثم إعادة تشكيل علاقتها بالدولة والطلبة والأساتذة بمنطق أقرب إلى السوق منه إلى المرفق العام.
في المقابل، لا أحد يجادل في حاجة المؤسسات العمومية إلى الإصلاح وتجويد الحكامة وربط التمويل بالنتائج، لكن الإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لإضعاف الطابع العمومي للمؤسسة، أو تحميل الطلبة كلفة اختيارات مالية لم يناقشها الرأي العام بما يكفي. فالإصلاح الذي يقوي ISCAE مطلوب، أما الإصلاح الذي يدفعه إلى فقدان روحه العمومية، فهو ما يستحق المساءلة.
السؤال البرلماني للتامني يضع وزير الصناعة والتجارة أمام اختبار واضح: هل يتعلق الأمر بإصلاح إداري ومالي يروم تطوير أداء المعهد، أم بمقدمة لإعادة صياغة هويته المؤسساتية؟ وهل ستضمن الحكومة استمرار التمويل العمومي، وحماية الاستقلالية البيداغوجية والإدارية، وصون حقوق الأساتذة والطلبة، وعدم المساس بمجانية التعليم العالي العمومي؟
جواب الوزير سيكون حاسماً، ليس فقط بالنسبة لمستقبل ISCAE، بل أيضاً بالنسبة للرسالة التي تريد الحكومة توجيهها حول التعليم العالي العمومي.
فحين يتعلق الأمر بمؤسسة نخبوية وعمومية في الآن نفسه، فإن أي غموض في التمويل أو التوظيف أو الرسوم قد يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول حدود الإصلاح، ومتى يتحول من تحديث للمؤسسة إلى خصخصة مقنعة لها.
