بقلم: الباز عبدالإله
عاد برنامج “فرصة” إلى واجهة النقاش البرلماني، بعدما وجّه عبد الله بووانو، عن لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، سؤالاً إلى وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، حول الصعوبات التي واجهها عدد من المستفيدين من البرنامج، خاصة في ما يتعلق بغياب المواكبة والتتبع والتقييم بعد مرحلة التمويل.
السؤال البرلماني لم يضع البرنامج في خانة النقاش التقني فقط، بل نقله إلى مستوى اجتماعي أعمق، بعدما أشار إلى أن عدداً من المستفيدين توصلوا بإنذارات بنكية، وهو ما جعلهم يعيشون ضغطاً نفسياً واجتماعياً كبيراً، وفتح الباب أمام مخاوف حقيقية بشأن استقرار أسر راهنت على البرنامج كبداية لمشروع صغير، فإذا بها تجد نفسها أمام تعثر مالي وقلق يومي.
بووانو وجّه سؤاله إلى الوزيرة فاطمة الزهراء عمور من زاوية واضحة: هل كانت المواكبة الموعودة كافية لحماية المشاريع من التعثر؟ وهل تم فعلاً تتبع مسار المستفيدين بعد حصولهم على التمويل؟ ثم ما هي الإجراءات الاستعجالية التي يمكن أن تعتمدها الوزارة لتفادي تحول برنامج اجتماعي واقتصادي إلى مصدر ضغط على فئات هشة أو محدودة التجربة في مجال المقاولة؟
أصل الإشكال لا يرتبط بفكرة دعم حاملي المشاريع في حد ذاتها، فالمغرب يحتاج إلى برامج تشجع المبادرة الفردية وتفتح الباب أمام الشباب والنساء وأصحاب الأفكار الصغيرة.
لكن التجربة تؤكد أن التمويل وحده لا يكفي لصناعة مقاولة ناجحة، خصوصاً حين يكون المستفيد في بداية الطريق، ولا يملك دائماً الخبرة الكافية في التدبير، والتسويق، والمحاسبة، والتعامل مع السوق والبنوك والإدارة.
من هنا تبرز أهمية سؤال المواكبة. فالمشروع الصغير لا يسقط دائماً بسبب ضعف الفكرة، بل قد يتعثر بسبب غياب التأطير القريب، أو بسبب أخطاء بسيطة في التسيير، أو نتيجة صعوبة الوصول إلى الزبناء، أو بسبب ارتفاع التكاليف مقارنة بالمداخيل.
لذلك، فإن أي برنامج عمومي من هذا النوع يحتاج إلى تتبع حقيقي بعد التمويل، لا إلى الاكتفاء بتسليم الدعم ثم ترك المستفيد يواجه مصيره وحده.
الجزء الأكثر حساسية في الملف يتعلق بالإنذارات البنكية.
فحين يتوصل مستفيد من برنامج عمومي بإنذار من مؤسسة مالية، فإن الأمر لا يبقى مجرد إجراء إداري، بل يتحول إلى ضغط مباشر على حياته اليومية، وعلى أسرته، وعلى ثقته في البرامج العمومية.
وهنا يصبح تدخل الوزارة ضرورياً، ليس لإلغاء المسؤولية أو تشجيع التهاون، بل لإيجاد تسوية منصفة تراعي طبيعة المشاريع المتعثرة، وتفرّق بين سوء النية وبين التعثر الناتج عن ضعف المواكبة أو صعوبة السوق.
بووانو طالب، من خلال سؤاله، بتقييم حقيقي لبرنامج “فرصة”، خاصة في شقه المرتبط بالمواكبة. كما دعا إلى إجراءات استعجالية لمعالجة ملف الإنذارات البنكية، سواء عبر التأجيل، أو إعادة الجدولة، أو تسوية تراعي وضعية المستفيدين، بما يحفظ حقوق المؤسسات المالية من جهة، ولا يدفع حاملي المشاريع الصغيرة نحو مزيد من الضغط الاجتماعي من جهة أخرى.
الوزارة اليوم أمام امتحان واضح، المطلوب ليس الدفاع عن البرنامج بلغة الأرقام فقط، ولا الاكتفاء بالتأكيد على عدد المستفيدين أو حجم التمويلات.
المطلوب هو جواب سياسي وإداري عملي: كم من مشروع تعثر؟ ما طبيعة الصعوبات المسجلة؟ أين توقفت المواكبة؟ من المسؤول عن التتبع؟ وما الصيغة الممكنة لإنقاذ المشاريع القابلة للاستمرار قبل أن تتحول إلى ملفات بنكية باردة؟
برنامج “فرصة” وُلد لكي يمنح أملاً اقتصادياً لفئات واسعة، لكن الأمل حين لا ترافقه آليات جدية للتقييم والمواكبة قد يتحول إلى عبء.
ولذلك، فإن سؤال بووانو يضع الحكومة أمام لحظة مراجعة ضرورية، حتى لا يتحول دعم المقاولة الصغيرة من بوابة للاندماج الاقتصادي إلى مصدر جديد للقلق داخل بيوت كانت تنتظر فرصة حقيقية لا إنذاراً بنكياً.
