بقلم: الباز عبدالإله
دخل ملف الصحراء المغربية مرحلة دبلوماسية أكثر حساسية، بعدما تحولت الإدانة الدولية للهجوم الأخير المنسوب إلى جبهة البوليساريو قرب مدينة السمارة إلى مؤشر جديد على تبدل ميزان الخطاب داخل عدد من العواصم الغربية، خصوصاً مع بروز موقف أمريكي واضح يدفع في اتجاه تثبيت مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الطريق الواقعي نحو التسوية.
ونشرت صحيفة El Independiente الإسبانية، اليوم الثلاثاء 12 ماي 2026، مقالاً بعنوان: “الهجوم الدبلوماسي الجديد لصالح المغرب بقيادة الولايات المتحدة يثير غضب جبهة البوليساريو”، أوردت فيه أن إبراهيم غالي وجّه رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عبّر فيها عن احتجاجه على مواقف عدد من الحكومات التي أدانت الهجوم الأخير على السمارة، معتبراً أن هذه المواقف، من وجهة نظره، تنطوي على ما وصفه بـ“التناقض”.
وبحسب المصدر الإسباني ذاته، فإن الرسالة جاءت بعد سلسلة مواقف صدرت عن الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي وإسبانيا، دعت إلى تفادي التصعيد، وأدانت العنف، وشددت على ضرورة العودة إلى مسار سياسي تقوده الأمم المتحدة.
غير أن اللافت في هذه المواقف ليس فقط مضمون الإدانة، بل السياق الذي جاءت فيه، إذ بدا أن العواصم الغربية لم تعد تتعامل مع تحركات البوليساريو باعتبارها مجرد تفصيل ميداني، بل كعامل تهديد للاستقرار الإقليمي ولمسار التسوية السياسية.
الولايات المتحدة، وفق ما أوردته الصحيفة الإسبانية، كانت في مقدمة هذا التحرك الدبلوماسي، حيث اعتبرت أن الوضع القائم لم يعد قابلاً للاستمرار، وربطت أفق الحل بالمقترح المغربي للحكم الذاتي.
وهو موقف ينسجم مع الخط الأمريكي المتصاعد خلال السنوات الأخيرة في دعم الطرح المغربي داخل مجلس الأمن وخارجه.
كما ذكرت الصحيفة أن فرنسا والاتحاد الأوروبي عبّرا بدورهما عن مواقف داعمة لمسار التفاوض، مع حضور أوضح لفكرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في الخطاب الدبلوماسي الغربي.
هذا التحول يضع جبهة البوليساريو أمام مأزق مزدوج.
فمن جهة، لم يعد بإمكانها تسويق التصعيد كأداة ضغط دون كلفة سياسية. ومن جهة ثانية، تجد نفسها أمام اصطفاف دولي متزايد يربط الحل الواقعي بمبادرة الحكم الذاتي، لا بخيارات ظلت لعقود تدور في حلقة مغلقة دون أفق عملي.
رسالة غالي إلى غوتيريش، في هذا السياق، تبدو أقل من مجرد احتجاج دبلوماسي، وأكثر من ذلك تعبيراً عن ضيق سياسي من تغير لغة المجتمع الدولي.
فالمشكل بالنسبة إلى قيادة البوليساريو لم يعد فقط في الموقف المغربي، بل في كون عدداً من العواصم المؤثرة باتت تتعامل مع المبادرة المغربية كأرضية جدية وواقعية، بينما تتراجع مساحة المناورة أمام الأطروحات القديمة.
وتزداد رمزية هذا التحول مع دخول واشنطن على الخط بقوة، ليس فقط من بوابة التصريحات، بل أيضاً من خلال حضورها الدبلوماسي والميداني في المنطقة، بما في ذلك الاهتمام بمدينة الداخلة والمناورات العسكرية “الأسد الإفريقي” وهي إشارات تقرأها البوليساريو بكثير من القلق، لأنها تنقل الملف من خانة النزاع التقليدي إلى خانة الترتيبات الجيوسياسية الكبرى في شمال وغرب إفريقيا.
غير أن أهمية اللحظة لا تكمن في حجم التصريحات وحدها، بل في التوقيت.
فكلما اقتربت الأمم المتحدة من محطات جديدة في تدبير الملف، يظهر أن معادلة الصحراء لم تعد محكومة بنفس اللغة القديمة.
هناك ضغط أمريكي واضح، وموقف فرنسي أكثر تقدماً، وانخراط أوروبي يتعامل مع الاستقرار الإقليمي باعتباره أولوية، مقابل خطاب للبوليساريو يشتكي من “ازدواجية المعايير”، لكنه لا يقدم جواباً عملياً عن سؤال التصعيد ومآلاته.
ومن هنا، يمكن القول إن الرسالة التي بعث بها غالي إلى غوتيريش تكشف، دون قصد، حقيقة التحول الجاري. فالبوليساريو لم تعد تشتكي فقط من المغرب، بل من اتساع دائرة الدول التي تعتبر أن الواقعية السياسية تقتضي الخروج من منطق الجمود.
وهذا، بالضبط، هو جوهر الضغط الدبلوماسي الجديد.
فحين تصبح واشنطن في واجهة الدفع نحو الحكم الذاتي، وتتحرك باريس وبروكسيل ومدريد في الاتجاه نفسه بدرجات متفاوتة، تجد جبهة البوليساريو نفسها أمام سؤال لم تعد قادرة على تأجيله: هل يمكن الاستمرار في الرهان على خطاب لم يعد يجد نفس الصدى داخل مراكز القرار الدولي؟
الجواب، كما يبدو من ارتباك الرسالة الموجهة إلى غوتيريش، أن الأرضية الدبلوماسية تتحرك تحت أقدام خصوم المغرب.
أما الرباط، فتبدو اليوم أكثر تمسكاً بقاعدة واحدة: لا حل خارج السيادة، ولا تفاوض خارج الواقعية.
