بقلم: الباز عبدالإله
قدّم فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، اليوم الثلاثاء أمام مجلس المستشارين، عرضاً مطولاً حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2026 إلى غاية نهاية أبريل، بدا في ظاهره مرافعة تقنية دقيقة حول صلابة المالية العمومية، لكنه حمل في عمقه مفارقة سياسية واضحة: الدولة تبدو مطمئنة في دفاترها، بينما لا يزال المجتمع يبحث عن أثر هذه الطمأنينة في معيشه اليومي.
لقجع دخل إلى النقاش من بوابة السياق الدولي.
تحدث عن أزمة اقتصادية ومالية عالمية تفجرت منذ بداية مارس، وعن اضطرابات جيوسياسية ألقت بثقلها على أسواق الطاقة وسلاسل التوريد، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، مذكراً بأن مضيق هرمز تمر عبره نسبة مهمة من المبادلات الطاقية العالمية.
وبلغة الأرقام، أوضح أن سعر برميل النفط ارتفع بنسبة 46 في المائة، منتقلاً من معدل 70 دولاراً قبل الأزمة إلى متوسط بلغ 102 دولار للبرميل، مع تسجيل سقف وصل إلى 119 دولاراً.
كما أشار إلى ارتفاع سعر الغازوال بما يقارب 70 في المائة، وغاز البوطان بنسبة 33 في المائة، والفيول والغاز الطبيعي بنسب مرتفعة، معتبراً أن هذه المعطيات تفرض قراءة موضوعية لا تهويلاً فيها ولا تبريراً.
غير أن هذا التفسير، رغم وجاهته التقنية، لا يلغي الإحساس الاجتماعي بثقل الأزمة.
فالوزير وضع الحكومة في موقع من يتلقى الصدمات الخارجية ويحاول امتصاصها، لكن المواطن، في النهاية، لا يتعامل مع الأزمة من خلال أسعار البرميل والطن والميغاواط، بل من خلال ما يدفعه في محطة الوقود، وفاتورة الكهرباء، وكلفة النقل، وأسعار المواد الأساسية.
في الجزء المتعلق بالمؤشرات الوطنية، حرص لقجع على تقديم صورة مطمئنة عن الاقتصاد المغربي.
قال إن احتياطي العملة الصعبة بلغ، إلى نهاية أبريل، حوالي 469.8 مليار درهم، بزيادة 23.4 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من سنة 2025، وهو ما يعادل خمسة أشهر و24 يوماً من الواردات.
كما تحدث عن موسم فلاحي واعد، مع توقع محصول حبوب في حدود 90 مليون قنطار، وربط ذلك بإمكانية تحقيق معدل نمو يتجاوز 5.3 في المائة خلال سنة 2026.
هذه أرقام مهمة بلا شك.
لكن سؤالها السياسي لا يوجد داخل الجداول، بل خارجها: كيف يمكن تحويل هذا التحسن إلى أثر ملموس في حياة الأسر؟ وما قيمة نمو مرتفع إذا ظل الإحساس اليومي عند فئات واسعة هو أن المعيشة تزداد كلفة، وأن القدرة الشرائية تتحرك في الاتجاه المعاكس للمؤشرات الرسمية؟
في باب الموارد الجبائية، كشف لقجع أن المداخيل ارتفعت إلى حدود نهاية أبريل بـ10.4 مليار درهم، أي بنسبة 8.5 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية، مشيراً إلى أن الضريبة على الشركات سجلت وحدها زيادة بـ9.1 مليار درهم، بنسبة 25 في المائة.
وهنا حاول الوزير، بوضوح، أن يرد على الفكرة المتداولة التي تعتبر أن الدولة تستفيد جبائياً من ارتفاع الأسعار، خصوصاً أسعار المحروقات.
فقد أوضح أن الضريبة الداخلية على الاستهلاك لا تحتسب على أساس الأسعار بل على أساس الحجم، وأن الضريبة على القيمة المضافة في سعر لتر الغازوال لا تمثل، حسب عرضه، سوى 0.46 درهم، في حين أن الأثر الإضافي للأزمة يبلغ في المتوسط 3.7 دراهم لكل لتر.
هذا التوضيح مهم من الناحية المحاسباتية.
لكنه لا يغلق النقاش سياسياً واجتماعياً.
لأن المواطن لا يشتري لتراً مقسماً بين ضريبة داخلية وضريبة على القيمة المضافة وأثر دولي، بل يؤدي سعراً نهائياً واحداً.
وحين ترتفع الكلفة، يصبح الفرق بين التفسير التقني والإحساس الشعبي واسعاً بما يكفي لإنتاج أزمة ثقة، حتى حين تكون الأرقام صحيحة.
أما في ما يخص النفقات، فقد شدد لقجع على أن الحكومة تتحمل كلفة مهمة للحفاظ على استقرار بعض الأسعار، موضحاً أن دعم غاز البوطان يكلف حوالي 600 مليون درهم شهرياً، وأن دعم النقل يتطلب 650 مليون درهم شهرياً، فيما تخصص 300 مليون درهم شهرياً للحفاظ على أسعار الكهرباء في مستوياتها الحالية، مع توقع أن تصل كلفة الكهرباء وحدها إلى ثلاثة مليارات درهم.
هذه الأرقام تكشف أن الدولة تتحمل جزءاً حقيقياً من الصدمة.
لكنها تكشف أيضاً حدود المقاربة الحالية.
فالدعم، مهما كان مهماً، يبدو أحياناً وكأنه يطفئ جزءاً من الحريق في مكان، بينما تظل النيران مفتوحة في أماكن أخرى: الغذاء، الكراء، الخدمات، مصاريف الدراسة، والتنقل اليومي.
لذلك لا يكفي أن تقول الحكومة إنها تدعم، بل عليها أن تشرح لماذا لا يصل أثر هذا الدعم بنفس القوة إلى الإحساس العام للمواطن.
لقجع تحدث كذلك عن التحكم في العجز، مؤكداً أن الحكومة تسير في اتجاه تقليصه إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام مع نهاية سنة 2026، وعن استمرار تراجع المديونية لتستقر في حدود 66 في المائة.
كما استحضر ثقة صندوق النقد الدولي، وتصنيف المغرب ضمن درجة الاستثمار من طرف “ستاندارد آند بورز”، وتحسن نظرة “موديز” المستقبلية للتصنيف السيادي من مستقرة إلى إيجابية، فضلاً عن تقدم المغرب في مؤشر شفافية الميزانية لسنة 2025.
هذه كلها رسائل موجهة إلى الخارج بقدر ما هي موجهة إلى الداخل.
رسائل تقول إن المغرب يحافظ على توازناته الكبرى، وإن ماليته العمومية ما زالت قادرة على مواجهة الصدمات.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في إقناع المؤسسات الدولية، بل في إقناع المجتمع بأن هذا الانضباط المالي ليس غاية في حد ذاته، وأن حماية التوازنات لا ينبغي أن تتحول إلى عزل كامل بين نجاح الميزانية ومعاناة الناس.
هنا بالضبط تكمن المفارقة في مرافعة لقجع.
لقد نجح الوزير في تقديم ميزانية متماسكة بالأرقام، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في ردم المسافة بين لغة المالية العمومية ولغة الحياة اليومية.
فالناس لا تعارض صلابة الاقتصاد، ولا ترفض تحسن الاحتياطي، ولا تستخف بأهمية ضبط العجز والمديونية، لكنها تسأل عن نصيبها من كل ذلك.
متى يتحول الاستقرار المالي إلى استقرار معيشي؟
ومتى يصبح النمو رقماً يشعر به المواطن قبل أن تقرأه المؤسسات الدولية؟
لقد قدم لقجع عرضاً تقنياً قوياً، فيه كثير من الدقة، وكثير من الدفاع عن اختيارات الحكومة المالية.
لكن هذا العرض أعاد فتح سؤال أعمق من تنفيذ قانون المالية: هل يكفي أن تكون الميزانية بخير إذا كان الإحساس الاجتماعي متعباً؟
بين دفاتر الدولة وقفة المواطن، توجد اليوم مسافة تحتاج إلى أكثر من أرقام.
تحتاج إلى سياسة عمومية تجعل صلابة الميزانية وسيلة لحماية المجتمع، لا مجرد عنوان مطمئن في تقارير المؤسسات الدولية.
