بقلم: الباز عبدالإله
أعادت التصريحات الأخيرة لوزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، داخل البرلمان، النقاش من جديد حول موقع التعليم في السياسات العمومية بالمغرب.
فما بدا في البداية مجرد تعثر في شرح مفهوم “النمذجة”، سرعان ما تحول إلى مادة واسعة للتعليق والتهكم على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يأخذ بعداً أعمق في قراءة الكاتب والباحث إدريس الكنبوري.
وفي تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، لم يتعامل الكنبوري مع الواقعة باعتبارها زلة لسان عابرة أو ضعفاً تواصلياً معزولاً، بل ربطها بسؤال أكبر يتعلق بطريقة تدبير قطاع التعليم، وبالمعايير التي تحكم اختيار من يقودون القطاعات المرتبطة بتكوين الإنسان وصناعة الوعي.
وبحسب مضمون التدوينة، فإن المشكلة ليست في لسان الوزير وحده، بل في الأفق السياسي الذي يجعل التعليم حقيبة حكومية عادية، قابلة للتوزيع ضمن منطق التوازنات الحزبية، بدل التعامل معه كورش وطني استراتيجي يحتاج إلى قيادة ذات رصيد معرفي وثقافي وتربوي واضح.
ويرى الكنبوري أن وزير التعليم لا يفترض أن يكون مجرد مدبر إداري أو واجهة حكومية لتصريف البرامج، بل شخصية قادرة على خوض نقاشات عميقة مع رجال ونساء التعليم، والمثقفين، والسياسيين، والباحثين، لأن التعليم ليس قطاعاً تقنياً فقط، بل مشروع مجتمع بكامله.
ومن هنا، نقلت التدوينة النقاش من مستوى السخرية من عبارة غامضة إلى مساءلة أعمق حول منطق الاختيار داخل الدولة.
من يحرس عقل المغرب؟
ومن يملك التصور القادر على تحويل المدرسة من فضاء للتدبير اليومي إلى رافعة لبناء الإنسان والمجتمع؟
وتوقف الكنبوري عند مفارقة لافتة بين ما يسمى عادة بوزارات السيادة، مثل الداخلية والأوقاف، وبين وزارات التعليم والثقافة.
فالأولى، في نظره، تحظى بمنطق الاستمرارية والحماية والصرامة في الاختيار، لأنها مرتبطة بأمن الدولة واستقرارها، بينما تظل وزارات مثل التعليم والثقافة عرضة للتداول الحزبي السريع، رغم أنها ترتبط بأمن المجتمع ونهضته ومستقبل أجياله.
وهنا يطرح الكنبوري، بصيغة استنكارية واضحة، سؤال الأولويات داخل الدولة.
لماذا تحرص الدولة على حماية “بنيات السلطة”، ولا تمنح العناية نفسها لـ“بنيات الوعي”؟
ولماذا تبدو المدرسة والكتاب والثقافة أقل أهمية من القطاعات المرتبطة بالإدارة والتراب والأمن؟
هذه المفارقة تكشف، في عمقها، عن خلل في ترتيب الأولويات.
فالدولة التي تستثمر في الطرق والموانئ والملاعب والبنيات التحتية، تحتاج بالقدر نفسه إلى الاستثمار في الإنسان الذي سيستعمل هذه البنيات، ويفهم معناها، ويحميها، ويحولها إلى قيمة حضارية.
أما حين يتقدم الإسمنت على الفكر، فإن التنمية قد تبدو قوية في صورتها الخارجية، لكنها تظل مهددة بالفراغ من الداخل.
ولم تقف تدوينة الكنبوري عند وزارة التعليم وحدها، بل وسعت دائرة النقد إلى وزارة الثقافة، معتبرة أن الطريقة التي يدبر بها الشأن الثقافي تطرح بدورها أسئلة حقيقية حول مكانة المعرفة في السياسات العمومية.
وفي هذا السياق، استحضر الكنبوري ملف نقل معرض الكتاب من الدار البيضاء إلى الرباط، باعتباره مثالاً على اختيارات تحتاج إلى نقاش أوسع حول معنى الثقافة وحدود التنظيم، وحول ما إذا كان الكتاب ما يزال في قلب الفعل الثقافي، أم تحول إلى واجهة مناسباتية تفقد عمقها بالتدريج.
والواضح أن جوهر النقد لا يستهدف الأشخاص لذواتهم بقدر ما يستهدف المنطق الذي يجعل قطاعات إنتاج المعنى في مرتبة ثانوية.
فالتعليم والثقافة ليسا وزارتين هامشيتين داخل الحكومة، بل هما المجالان اللذان تتشكل داخلهما اللغة، والوعي، والخيال السياسي، والقدرة على التفكير النقدي.
من هذه الزاوية، لم تعد زلة “النمذجة” مجرد مقطع عابر في جلسة برلمانية، بل تحولت إلى مرآة لارتباك أوسع في علاقة السياسة بالمعرفة.
فالوزير، حين يتحدث عن المدرسة، لا يخاطب إدارة مغلقة، بل يخاطب ملايين الأسر والتلاميذ والأساتذة.
وكل ضعف في اللغة أو الفكرة أو القدرة على الإقناع يتحول فوراً إلى سؤال حول أهلية القيادة في قطاع لا يحتمل الارتجال.
لقد أراد الكنبوري، من خلال تدوينته، أن يقول إن المغرب لا يمكن أن يربح رهان المستقبل بالبنيات التحتية وحدها.
فالطرق السريعة لا تعوض المدرسة الجيدة.
والملاعب الكبرى لا تعوض الجامعة المنتجة.
والمشاريع الإسمنتية لا تصنع مجتمعاً قارئاً ومفكراً إذا ظل التعليم والثقافة خارج منطق الحماية الاستراتيجية.
الأزمة، إذن، ليست في كلمة تعثرت داخل البرلمان، بل في تصور سياسي ظل ينظر إلى التعليم والثقافة كحقائب حكومية عادية، مع أنهما المجالان اللذان يحددان شكل المغرب بعد عشرين أو ثلاثين سنة.
وفي هذه النقطة، لا يعود الأمر شأناً حزبياً ضيقاً، بل اختباراً حقيقياً لمعنى الدولة التي تريد أن تبني المواطن قبل أن تبني الجدران.
