فتح الإعلامي حميد المهداوي، في خرجته الأخيرة على قناته بموقع يوتيوب، واحداً من أكثر الملفات حساسية في النقاش العمومي، بعدما توقف عند ما نشرته صفحة “جبروت” من وثائق ومعطيات مرتبطة بتدبير العقار بمدينة العيون، معتبراً أن خطورة هذه التسريبات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في الصمت الذي قد يرافقها إذا لم تجد جواباً مؤسساتياً واضحاً.
المهداوي ربط النقاش بسؤال أكبر من الوثائق نفسها: كيف يمكن حماية الخطاب الوطني حول الصحراء إذا ظلت بعض الشبهات المرتبطة بالعقار والتدبير المحلي بلا توضيح؟ وكيف يمكن مواجهة خصوم المغرب خارجياً، إذا كانت بعض الملفات الداخلية تمنحهم مادة سياسية ودعائية جاهزة؟
وحسب ما عرضه المهداوي، فإن صفحة “جبروت” نشرت وثائق تتعلق بعقارات وأراضٍ بمدينة العيون، قال إنها تطرح أسئلة ثقيلة حول التفويت، والثمن، والسرعة التي تمر بها بعض المساطر، وحول احتمال وجود تضارب مصالح في تدبير عقارات عمومية أو شبه عمومية.
غير أن المهداوي لم يقدم هذه المعطيات كأحكام نهائية، بل تعامل معها باعتبارها وثائق وأسئلة تحتاج إلى تحقيق وتوضيح وموقف رسمي، خصوصاً أن الأمر يتعلق بمدينة لها موقع خاص داخل الخريطة السياسية والوطنية للمغرب.
فالعيون، كما شدد المهداوي، ليست مجرد مدينة عادية، بل كبرى حواضر الصحراء المغربية، ومجال يحظى بعناية استراتيجية من الدولة. لذلك، فإن أي شبهة مرتبطة بالعقار أو النفوذ أو التدبير المحلي داخلها لا تبقى محصورة في بعدها المحلي، بل تتحول إلى مسألة تمس صورة الحكامة في منطقة شديدة الحساسية.
وفي واحدة من أقوى خلاصاته، اعتبر المهداوي أن الفساد في الصحراء، إذا وُجد ولم تتم مواجهته، قد يتحول إلى خدمة مباشرة لخصوم المغرب، لأنه يمنحهم مادة للطعن في مصداقية الخطاب الوطني من الداخل.
وقال، في المعنى نفسه، إن خصوم الوحدة الترابية لا يحتاجون فقط إلى خطابات سياسية لمهاجمة المغرب، بل قد يجدون في مثل هذه الملفات، إذا ظلت بلا جواب، ما يستعملونه ضد الدولة ومؤسساتها.
ومن هنا جاء تحذير المهداوي من “كلفة الصمت”. فالصمت، في مثل هذه القضايا، لا يطفئ الجدل، بل يوسعه. ولا يحمي المؤسسات، بل يتركها في مواجهة التأويلات. ولا يغلق الباب أمام الخصوم، بل يفتح لهم هامشاً أوسع لاستثمار الشبهات سياسياً وإعلامياً.
المهداوي عاد أيضاً إلى معطيات قال إنه سبق أن أثارها منذ سنوات، مرتبطة بوثائق عقارية وشهادات إدارية وتفويتات بالعيون، معتبراً أن تراكم هذه الملفات دون توضيح رسمي يضعف ثقة المواطن، ويجعل سؤال المحاسبة أكثر إلحاحاً.
وبالنسبة إليه، فإن الدفاع عن الصحراء لا يكون فقط بالدبلوماسية، ولا فقط بقوة المؤسسة الملكية والجيش، بل أيضاً بنظافة التدبير المحلي، وعدالة توزيع الفرص، وحماية المال والعقار العمومي من كل ما يمكن أن يسيء إلى صورة الدولة.
وفي السياق نفسه، توقف المهداوي عند الجدل الذي رافق تعيين أو تكليف قيادي في شبيبة حزب التجمع الوطني للأحرار بمنصب مدير إقليمي للصناعة التقليدية، معتبراً أن هذا الملف، رغم اختلاف طبيعته عن وثائق “جبروت”، يكشف بدوره سؤالاً مشتركاً: هل تخضع الإدارة لمنطق الكفاءة والاستحقاق، أم تتحكم فيها الولاءات والعلاقات؟
وحسب ما عرضه المهداوي، فإن بلاغاً نقابياً مشتركاً داخل قطاع الصناعة التقليدية تحدث عن احتقان غير مسبوق، وربط ذلك بما وصفه باختلالات في التسيير وتعيينات مشوبة بالزبونية واستعمال بعض الفضاءات الإدارية والاجتماعية لخدمة أجندات ضيقة.
وربط المهداوي بين الملفين من زاوية واحدة: حين تغيب الشفافية، تكبر الشبهات. وحين تغيب الأجوبة، يصبح الصمت جزءاً من الأزمة. وحين تصبح الإدارة أو العقار أو التعيينات مجالاً للنفوذ بدل القانون، فإن الخاسر الأول هو ثقة المواطن في المؤسسات.
المقال لا يتعلق هنا بإدانة أشخاص أو إصدار أحكام جاهزة، بل بطرح سؤال واضح: هل ستتعامل المؤسسات مع “وثائق جبروت” باعتبارها مادة تحتاج إلى توضيح وبحث، أم سيترك الملف مفتوحاً أمام التأويلات؟
القضية، كما قدمها المهداوي، لم تعد مجرد تسريبات على صفحة رقمية، بل اختبار حقيقي للحكامة في منطقة حساسة. فالوثائق قد تكون بداية نقاش، لكن الصمت هو الذي يحول النقاش إلى أزمة.
ولهذا، فإن كلفة الصمت قد تكون أكبر من كلفة التوضيح، لأن الدولة القوية لا تخاف من فتح الملفات، بل تقوي نفسها حين تواجه الشبهات بالشفافية والقانون والمحاسبة.
تعليق أول
حين يتعلق الأمر بالعيون والصحراء، فالصمت على الشبهات لا يحمي المؤسسات، بل يترك الخطاب الوطني أمام امتحان صعب.
