بقلم: الباز عبدالإله
أعلنت جبهة البوليساريو، أمس الأربعاء 13 ماي 2026، عن تشكيل ما سمّته “المكتب العسكري الصحراوي لمراقبة التقيد بالقانون الدولي الإنساني”، مرفوقاً بالمصادقة على “مدونة سلوك”، وفق ما أوردته وكالة الأنباء التابعة للجبهة.
هذا الإعلان، في توقيته وسياقه، لا يبدو مجرد إجراء تنظيمي عادي، بقدر ما يكشف محاولة واضحة لترميم صورة اهتزت بقوة بعد الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة المغربية يوم 5 ماي، وما أعقبه من موجة إدانات دولية وضعت البوليساريو أمام ضغط سياسي وإعلامي متزايد.
فحين تعلن جبهة مسلحة، بعد أيام قليلة من هجوم طال منطقة مدنية، عن مكتب لمراقبة احترام القانون الدولي الإنساني، يصبح التوقيت هو الخبر الحقيقي.
ذلك أن القانون الإنساني لا يبدأ من البلاغات، ولا من أسماء المكاتب، بل من السلوك الميداني، ومن الامتناع عن كل فعل يهدد أمن المدنيين واستقرار المدن.
لقد حاولت البوليساريو، من خلال هذا الإعلان، نقل النقاش من سؤال المسؤولية إلى قاموس “الالتزام” و“مدونة السلوك” و“القانون الدولي الإنساني”.
غير أن هذه اللغة لا تستطيع حجب المعطى الأساسي: أن هجوم السمارة وضع الجبهة في مأزق سياسي وأخلاقي، وجعلها تبحث عن غطاء لفظي لتخفيف كلفة التصعيد.
ومن زاوية مغربية واضحة، فإن هذا الإعلان لا يغير شيئاً في جوهر الملف. الصحراء مغربية، والسمارة مدينة مغربية، وأمن ساكنتها ليس مجالاً للمناورات الإعلامية أو محاولات إعادة تدوير الخطاب.
أما البوليساريو، التي تحاول اليوم الظهور بمظهر الحريص على القانون الإنساني، فهي مطالبة قبل أي شيء بوقف كل أشكال التصعيد التي تهدد المدنيين وتربك مسار الحل السياسي تحت إشراف الأمم المتحدة.
واللافت أن هذا التحرك يأتي في مرحلة تتزايد فيها القناعة الدولية بأن مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الإطار الواقعي والجاد لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وهو ما يجعل لجوء البوليساريو إلى واجهات عسكرية وحقوقية أقرب إلى محاولة للالتفاف على خسائرها السياسية.
إن “المكتب العسكري” الجديد لا يبدو علامة قوة، بل علامة ارتباك.
فالجبهة التي راهنت على التصعيد وجدت نفسها مضطرة إلى استعارة لغة القانون الإنساني لتقديم نفسها من جديد أمام الخارج.
لكن الصورة التي اهتزت بعد هجوم السمارة لا ترممها المكاتب، ولا تمحوها مدونات السلوك، بل يرممها وقف التهديدات، واحترام أمن المدنيين، والعودة إلى منطق الحل السياسي الواقعي.
أما الصحراء المغربية، فتبقى خارج منطق المناورات، أرضاً مغربية بسيادة ثابتة، لا تغيرها بيانات الجبهة ولا محاولات تلميع صورتها أمام الخارج.
