بقلم: الباز عبدالإله
دخل ملف الصفقات العمومية مرحلة جديدة من التمحيص، بعدما أفادت معطيات إعلامية بأن المفتشية العامة للمالية كثفت مهام تدقيق نوعية شملت عينة من مؤسسات ومقاولات عمومية، في سياق البحث في شبهات مرتبطة بهيمنة بعض الشركات على صفقات وسندات طلب، بطرق تطرح أكثر من سؤال حول الشفافية والمنافسة وتكافؤ الفرص.
الموضوع لا يتعلق فقط بخلل معزول أو خطأ مسطري عابر، بل بصورة أوسع عن الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الشراء العمومي، حين تضعف الصرامة، من آلية لخدمة المرفق العام إلى ممر ضيق يعرفه البعض جيداً، ويدخل منه غالباً نفس الفائزين.
وحسب المعطيات المتداولة، فإن أبحاث مفتشي المالية لا تقف عند حدود الأخطاء الإدارية البسيطة، بل تمتد إلى شبهات تنسيق غير شفاف بين مسؤولين داخل مؤسسات عمومية وأرباب شركات استفادت بشكل متكرر من طلبيات عمومية، مع الحديث عن وثائق وضمانات وشهادات إدارية ومالية يفترض أن تخضع للتدقيق قبل أن تتحول إلى مفاتيح للمرور نحو المال العام.
خطورة هذا النوع من الملفات تكمن في أنه لا يمس المال العام وحده، بل يضرب أيضاً الثقة في قواعد اللعبة الاقتصادية، لأن المقاولة الصغرى أو المتوسطة التي تدخل المنافسة وهي تعتقد أن السعر والجودة والملف القانوني هي معيار الفوز، قد تجد نفسها في النهاية أمام سباق يبدو محسوماً قبل انطلاقه.
وهنا تصبح سندات الطلب، التي وضعت أصلاً لتسهيل بعض المشتريات وتسريع حاجيات الإدارة، باباً حساساً إذا لم تواكبها المراقبة القبلية والبعدية، لأن تبسيط المساطر لا يعني فتح الطريق أمام الالتفاف على المنافسة أو تفصيل الطلبيات على قياس جهات بعينها.
المفارقة أن المغرب طور خلال السنوات الأخيرة ترسانة قانونية وتنظيمية مهمة في مجال الصفقات العمومية، تقوم على الشفافية والنشر والمنافسة والرقمنة، غير أن قوة النصوص لا تكفي إذا ظلت بعض الممارسات قادرة على الالتفاف عليها داخل التفاصيل الصغيرة.
فالمال العام لا يضيع دائماً في الصفقات الكبرى وحدها، بل قد يتسرب أيضاً عبر طلبات مجزأة، واستشارات شكلية، وعروض محسوبة، وشركات تظهر في الواجهة، بينما يتحكم في الخيط من يعرف جيداً كيف تُطبخ المساطر قبل أن تُعلن النتائج.
لذلك، فإن تحرك المفتشية العامة للمالية لا ينبغي أن يقرأ فقط كبحث في ملفات معزولة، بل كاختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية قواعد المنافسة داخل المؤسسات والمقاولات العمومية، وعلى منع تحويل المساطر الإدارية إلى غطاء قانوني لممارسات لا تخدم لا الإدارة ولا الاقتصاد ولا المواطن.
المطلوب اليوم ليس فقط معرفة من ربح الصفقات، بل كيف ربحها، ومن سهل له الطريق، وهل احترمت فعلاً شروط المنافسة، أم أن بعض الصفقات كانت تتحرك داخل دائرة ضيقة، حيث تتشابه الأسماء، وتتكرر الشركات، وتختفي الفرص عن باقي المتنافسين.
وفي انتظار ما ستنتهي إليه تقارير المفتشية العامة للمالية، لا ينبغي أن يطوى هذا الملف كخبر عابر للاستهلاك الإعلامي، لأن الصفقات العمومية ليست أوراقاً إدارية باردة، بل هي مستشفيات ومدارس وطرق وخدمات وتجهيزات، وكل خلل فيها يؤدي ثمنه المواطن من عيشه ومستقبله، ولو لم يعرف أسماء الشركات ولا تفاصيل العقود.
