بقلم: الباز عبدالإله
أعاد التقرير السنوي للأمن القومي الإسباني لسنة 2025 وضع المغرب داخل معادلة دقيقة في القراءة الرسمية لمدريد، فهو من جهة شريك استراتيجي لا غنى عنه في التجارة والهجرة والطاقة والتعاون الأمني، ومن جهة أخرى جار تفرض الجغرافيا المشتركة معه يقظة دائمة في منطقة المضيق، حيث تتقاطع المصالح الكبرى مع تحديات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
التقرير، الصادر عن Departamento de Seguridad Nacional التابع لرئاسة الحكومة الإسبانية، تمت المصادقة عليه من طرف مجلس الأمن القومي في اجتماعه المنعقد يوم 21 أبريل 2026، قبل نشره رسمياً يوم 13 ماي 2026، وهو وثيقة سنوية تشارك في إعدادها وزارات ومؤسسات إسبانية، إلى جانب مركز الاستخبارات، ما يمنح مضامينها وزناً يتجاوز حدود القراءة الإعلامية العابرة.
حسب ما أوردته صحف إسبانية، فإن الوثيقة تعود إلى تقديم المغرب باعتباره فاعلاً ذا أهمية استراتيجية بالنسبة لإسبانيا، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى ما وصفته بإعادة تنشيط طريق تهريب الحشيش من المغرب نحو إسبانيا خلال سنة 2025، خصوصاً عبر منطقة مضيق جبل طارق والجنوب الإسباني.
الصورة الأولى التي يرسمها التقرير هي صورة الشريك الضروري، حيث يبرز أن العلاقة بين الرباط ومدريد لم تعد محكومة فقط بملفات الحدود والهجرة، بل أصبحت قائمة على شبكة مصالح اقتصادية وطاقية وأمنية تجعل المغرب حاضراً بقوة داخل حسابات الأمن القومي الإسباني.
وفي المستوى الاقتصادي، يعكس التقرير حجم الترابط التجاري بين البلدين، بالنظر إلى المكانة التي تحتلها إسبانيا في المبادلات مع المغرب منذ سنوات، وهو معطى يجعل العلاقة الثنائية أكبر من ظرف سياسي عابر، وأقرب إلى بنية مصالح دائمة يصعب تفكيكها أو التعامل معها بمنطق التوتر الموسمي.
أما في ملف الهجرة، فيبرز التقرير أهمية التنسيق مع دول المغرب الكبير في خفض أعداد الوافدين غير النظاميين نحو جزر الكناري، وهو ما يمنح المغرب موقعاً مركزياً داخل معادلة الأمن الحدودي الإسباني والأوروبي، ليس فقط كجار جنوبي، بل كطرف أساسي في إدارة واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي مجال الطاقة، توقف التقرير عند الربط الكهربائي بين المغرب وإسبانيا، مشيراً إلى استمرار الميزان في صالح إسبانيا للسنة الرابعة على التوالي، برصيد صادرات كهربائية بلغ 3743 جيغاواط/ساعة، وهو رقم يجعل العلاقة الطاقية بين البلدين جزءاً من الأمن الاستراتيجي الإسباني، وليس مجرد تبادل تجاري تقني.
لكن الصورة الثانية التي تقدمها الوثيقة أكثر حساسية، لأنها تضع ملف تهريب المخدرات في المضيق ضمن التهديدات المتجددة، وتتحدث عن تطور أساليب الشبكات الإجرامية واستعمالها قوارب سريعة، وقوارب صيد، ويخوتاً، ووسائل بحرية مختلفة لتفادي التدخلات الأمنية المباشرة قرب السواحل الإسبانية.
وتفيد المعطيات التي نقلتها الصحافة الإسبانية، استناداً إلى التقرير، بأن السلطات تتحدث عن أكثر من 600 قارب سريع من نوع go-fast يشتبه في ارتباطها بعمليات تهريب المخدرات، خاصة في منطقة مضيق جبل طارق، مع تسجيل ارتفاع في حجز الوقود المخصص لتزويد هذه القوارب بجنوب إسبانيا.
الأخطر في القراءة الإسبانية لا يتعلق فقط بحجم النشاط، بل بما تعتبره مدريد تطوراً في القدرات الهجومية للشبكات الإجرامية، بما في ذلك استعمال العنف ضد عناصر الأمن عند محاولة اعتراض الشحنات أو مصادرة القوارب، وهو ما ينقل الملف من مجرد تهريب بحري إلى تحد أمني مركب يمس سلامة عناصر الأمن وهيبة الدولة في مناطق الجنوب.
هنا تكمن حساسية التقرير بالنسبة للمغرب، فهو لا يقدم الرباط كخصم أمني، ولا يحول الدولة المغربية إلى طرف متهم، بل يضع الجغرافيا المشتركة ضمن سياق أمني معقد، حيث تتحرك شبكات غير قانونية بين ضفتي المضيق، مستفيدة من كثافة الحركة البحرية، وتشابك المسالك، وصعوبة مراقبة كل نقطة في فضاء حدودي مفتوح.
من الناحية السياسية، يضع التقرير العلاقات المغربية الإسبانية أمام واقعها المركب، فمدريد لا تستطيع الاستغناء عن الرباط في ضبط الهجرة، وتأمين الطاقة، وتحصين جنوب المتوسط، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل ضغط الرأي العام في الأندلس وقادس والجزيرة الخضراء، حيث يتحول ملف التهريب إلى قضية يومية مرتبطة بالأمن المحلي والانتخابات والخطاب السياسي.
أما بالنسبة للمغرب، فإن أهمية التقرير لا تكمن فقط في ما يقوله عن شبكات التهريب، بل في الصورة الثنائية التي يعكسها عن موقع المملكة داخل التفكير الأمني الإسباني، فالمغرب حاضر كحل وجزء من التحدي في الوقت نفسه، حاضر كشريك في مكافحة الهجرة والجريمة المنظمة، وحاضر أيضاً كجغرافيا تستغلها شبكات تتحرك خارج منطق الدولة والقانون.
والقراءة المتزنة تقتضي التمييز بين الدولة المغربية والشبكات الإجرامية، لأن التقرير نفسه يتحدث عن تعاون أمني ومؤسساتي بين البلدين، ولا يحول المغرب إلى مصدر اتهام مباشر، بل يضعه داخل سياق إقليمي تتداخل فيه الجريمة المنظمة، والهجرة، والطاقة، والتجارة، والموقع الجغرافي الحساس.
لذلك، فإن الرسالة الأعمق في التقرير الإسباني ليست أن المغرب مشكلة بالنسبة لإسبانيا، بل أن العلاقة مع المغرب أصبحت أكبر من أن تختزل في صورة واحدة، فهي شراكة استراتيجية حين يتعلق الأمر بالتجارة والطاقة والهجرة، ويقظة أمنية دائمة حين يتعلق الأمر بالمضيق وشبكات التهريب العابرة للحدود.
بهذا المعنى، يرسم التقرير الأمني الإسباني صورتين متوازيتين للمغرب، صورة الشريك الذي تحتاجه مدريد في جنوب المتوسط، وصورة الجار الذي تجعل الجغرافيا المشتركة معه كل اختلال أمني في المضيق ملفاً مفتوحاً بين الرباط ومدريد، وبين التعاون الرسمي وضغط الواقع الميداني.
