بقلم: الباز عبدالإله
لم يمر خروج نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، مروراً عادياً، بعدما وجد نفسه وسط جدل سياسي واسع على خلفية معطيات متداولة حول اقتناء عقار بحي السويسي في الرباط بمبلغ قيل إنه يقارب مليار سنتيم، مع حديث عن طريقة الأداء، دون أن يصدر توضيح مباشر يحسم ما راج في هذا الملف.
اختار بركة، خلال كلمة ألقاها بمناسبة تخليد ذكرى رحيل علال الفاسي، أن يرد من زاوية عامة، مستعملاً عبارات من قبيل “خفافيش الظلمات العنكبوتية” و”الحروب الرقمية”، في إشارة إلى الحسابات المجهولة ومحاولات التشويش وضرب الثقة في المؤسسات والرموز.
غير أن السؤال الذي ينتظره الرأي العام لا يتعلق بالحسابات المجهولة وحدها، بل بما جرى تداوله من معطيات منشورة تحتاج إلى جواب واضح، لأن الخطاب العام مهما كان قوياً لا يكفي حين يكون موضوع الجدل محدداً.
من حق أي مسؤول أن يرفض التشهير، وأن يدين الأخبار الزائفة، وأن يواجه الحملات الرقمية غير النظيفة، لكن حين يرتبط الجدل بعقار وثمن وطريقة أداء، يصبح التوضيح المباشر أقصر طريق لإغلاق الباب أمام التأويلات.
المطلوب اليوم بسيط، هل المعطيات المتداولة صحيحة أم غير صحيحة، هل الوثائق المنشورة دقيقة أم ناقصة، هل هناك سياق غائب يحتاج إلى شرح، أم أن الأمر يتعلق بمعطيات غير سليمة تستوجب تفنيداً واضحاً.
لا أحد يطلب إدانة مسبقة، ولا أحد يملك حق إصدار الأحكام خارج المؤسسات المختصة، لكن من حق المواطن أن ينتظر من مسؤول حكومي جواباً مباشراً، خصوصاً حين يتعلق الأمر بملف أثار نقاشاً واسعاً داخل الرأي العام.
المشكل أن استعمال خطاب المؤامرة في مواجهة أسئلة مرتبطة بالثروة والعقار قد يعطي أحياناً نتيجة عكسية، فالمواطن لم يعد يقتنع بسهولة بأن كل مساءلة استهداف، وكل سؤال تشويش، وكل مطالبة بالتوضيح حرب رقمية.
نزار بركة ليس فاعلاً حزبياً عادياً، فهو وزير في حكومة قائمة، وأمين عام حزب تاريخي يشارك في الأغلبية، ومن هذا الموقع يصبح واجب التوضيح أكبر من حق الرد السياسي، لأن المسؤولية العمومية لا تقاس فقط بالخطابات، بل أيضاً بالقدرة على مواجهة الأسئلة المحرجة بهدوء ووضوح.
وقد يكون بركة محقاً في التحذير من التضليل الرقمي ومن الحسابات المجهولة، لكن ذلك لا يعفيه من تقديم جواب واضح حول ما تم تداوله، لأن أفضل طريقة لمواجهة الغموض ليست الاكتفاء بالحديث عن “الظلام”، بل وضع المعطيات أمام الضوء.
قد تصلح عبارة “خفافيش الظلام” لحشد الأنصار، لكنها لا تكفي وحدها لإقناع الرأي العام حين يكون السؤال مرتبطاً بمعطيات منشورة، فالمطلوب ليس محاكمة في المنصات، ولا إدانة خارج القانون، بل توضيح مباشر يضع حداً للتأويل.
سؤال المليار ما زال مفتوحاً في انتظار جواب واضح، بين من يرى في ما جرى حملة رقمية تستهدف رجلاً سياسياً، ومن يعتبر أن الشفافية لا تحتاج إلى خطابات طويلة بقدر ما تحتاج إلى توضيح مباشر يضع كل طرف أمام مسؤوليته.
