الحلقة الثانية
في كل عملية فرار من السجن، يكون السؤال الأول واضحاً: كيف خرج الفارّون؟ لكن في قصة الهروب الكبير من السجن المركزي بالقنيطرة، ظهر سؤال آخر أكثر إرباكاً: أين اختفت الأتربة التي خرجت من النفق؟
هذا السؤال لم يكن تفصيلاً صغيراً في الحكاية، بل كان في قلب اللغز، لأن الحديث عن نفق داخل مؤسسة سجنية محروسة لا يعني فقط الحفر تحت الأرض، بل يعني أيضاً وجود كميات من التراب كان يفترض أن تفضح العملية منذ أيامها الأولى.
حسب الرواية المنسوبة إلى عبد الهادي الذهبي، الملقب بأبي أنس، فإن المرحلة الأولى من الحفر لم تترك أثراً ظاهراً داخل الزنزانة، بعدما جرى التعامل مع التراب بطريقة جعلت المكان يبدو عادياً في نظر من يمر أو يراقب أو يفتش.
وهنا تبدأ خطورة القصة، ليس لأنها تقدم تفاصيل مثيرة، بل لأنها تكشف أن الخلل الأكبر في مثل هذه الوقائع لا يكون دائماً في لحظة الفرار، بل في الأيام والأسابيع التي تسبقها، حين تتحرك إشارات صغيرة أمام العيون دون أن تتحول إلى إنذار.
فوجود نفق لا يولد فجأة، وغياب الأتربة لا يقع بالسحر، واستمرار الحياة اليومية داخل الزنازين كما لو أن شيئاً لا يحدث، يطرح سؤالاً قاسياً حول طبيعة المراقبة داخل السجن، وحول ما إذا كانت الحراسة تراقب فعلاً التفاصيل، أم تكتفي بروتين الأبواب والأقفال والعدّ اليومي.
الرواية تقول إن الفارين نجحوا في جعل آثار الحفر غير مرئية في البداية، وإن جزءاً من التراب ظل يتحرك داخل فضاء السجن دون أن يثير الشكوك الكافية، وهذا وحده كافٍ لفتح نقاش عميق حول معنى المراقبة داخل مؤسسة يفترض أن تكون مصممة لاكتشاف أصغر خلل.
الأمر لا يتعلق هنا بتمجيد ذكاء الفارين، ولا بتقديم الحكاية كإنجاز، بل بالعكس، يتعلق بتشريح ثغرة أمنية خطيرة، لأن كل عملية من هذا النوع تكشف أن الخطر لا يوجد فقط في النفق، بل في المسافة التي تفصل بين ما يقع فعلاً وما تراه الإدارة.
في مثل هذه الملفات، يصبح التراب شاهداً صامتاً، لأنه لا يكذب، ولا يختفي وحده، ولا يخرج من الأرض دون أن يترك أثراً، وإذا استطاعت كمية منه أن تمر دون انتباه، فهذا يعني أن هناك شيئاً أكبر من مجرد حفرة تحت الزنزانة.
والأكثر إحراجاً أن الرواية تتحدث عن كاميرات وممرات وحراس وحركة يومية، ومع ذلك استمر المشروع إلى أن تحول من فكرة إلى ممر تحت الأرض، ومن ممر إلى واقعة هروب هزت السجن المركزي بالقنيطرة.
لهذا يبدو سؤال الأتربة أخطر من سؤال النفق نفسه، لأن النفق يشرح طريقة الخروج، أما الأتربة فتشرح طريقة الفشل في الاكتشاف.
فحين لا ترى المؤسسة ما يتحرك داخلها ببطء، تصبح لحظة الفرار مجرد نتيجة طبيعية لسلسلة طويلة من الغفلة، أو سوء التقدير، أو الثقة الزائدة في نظام مراقبة لا يلتقط إلا ما يقع فوق السطح.
قصة الأتربة في الهروب الكبير ليست تفصيلاً جانبياً، بل هي قلب الحكاية، لأنها تكشف أن أخطر ما في السجون ليس فقط ما يحاول السجناء فعله، بل ما لا تنتبه إليه الإدارة إلا بعد فوات الأوان.
الحلقة المقبلة:
من الزنزانة إلى حديقة المدير… رواية خروج صادمة من داخل السجن
