لم يكن مصطفى قرطاح، في تدوينته الأخيرة، مجرد صوت عابر دخل على خط الجدل المثار حول عبارة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، بل بدا كاسم قادم من داخل الحقل الديني نفسه، بخلفية خطابية وفقهية جعلت رده أكثر ثقلاً من مجرد تعليق فايسبوكي سريع.
فالرجل، المعروف في النقاش الديني بصفته خطيباً سابقاً وفاعلاً في قضايا الوعظ والخطابة، دخل هذا السجال من زاوية مختلفة، لا باعتباره خصماً سياسياً للوزير، ولا باحثاً عن الإثارة، بل باعتباره متابعاً من داخل المجال الذي يعرف جيداً حساسية العبارة حين تصدر عن مسؤول رسمي في قطاع يرتبط بتأطير الدين وتوجيه الخطاب العمومي.
قرطاح لم يتوقف عند عبارة الوزير التي قال فيها إن النبي صلى الله عليه وسلم “بعث هادياً لا غازياً”، بل ذهب إلى ما بعدها، إلى طريقة الدفاع عنها، وإلى ما سماه عملياً مأزق “المحامين” الذين ظنوا أن إنقاذ العبارة يمر عبر توسيع دائرة الاتهام، وتحويل كل نقد علمي إلى شبهة هجوم على السياسة الدينية الرسمية.
هنا تحديداً يضع قرطاح أصبعه على الجرح، فالمشكل في نظره لا يوجد فقط في العبارة، بل في المناخ الذي يجعل المسؤول فوق التصويب، ويجعل المدافع عنه أكثر حماسة من اللازم، حتى يصبح الدفاع نفسه عبئاً على صاحبه.
في قلب التدوينة، يهاجم قرطاح ما اعتبره خلطاً بين أمرين مختلفين، نقد عبارة محددة من جهة، والطعن في السياسة الدينية الرسمية من جهة أخرى.
فبالنسبة إليه، لا يكفي أن يختلف شخص مع صياغة وزيرية حتى يُقدَّم كمن يرفض كل ما هو رسمي في الشأن الديني، ولا يجوز أن يتحول النقاش حول جملة إلى محاكمة للنيات، أو إلى اختبار ولاء للمؤسسات.
هذه النقطة هي الأقوى في نص قرطاح، لأنها تنقل الجدل من مستواه الانفعالي إلى مستواه المنهجي، إذ يسأل بطريقة مباشرة وغير مباشرة، هل نناقش الفكرة كما هي، أم نهرب منها إلى تخويف الناس بعنوان كبير اسمه المساس بالسياسة الدينية.
ويرى قرطاح أن أصل النقاش هو تحرير محل النزاع، أي تحديد السؤال بدقة، هل الاعتراض موجه إلى كون النبي صلى الله عليه وسلم هادياً، أم إلى نفي صفة أخرى من سيرته التاريخية والشرعية.
في تقديره، لا أحد من المنتقدين ينكر أن الهداية هي جوهر الرسالة، ولا أن الرحمة أصل في البعثة، لكن الاعتراض ينصب على صيغة النفي حين تقول “لا غازياً”، لأنها قد توحي، في نظره، بإسقاط جزء من السيرة أو إعادة ترتيبها وفق حساسية خطابية معاصرة أكثر مما تستند إلى قراءة مكتملة.
وبهذا المعنى، لا يدافع قرطاح عن لغة صدامية، ولا يكتب من أجل تحويل الدين إلى خطاب مواجهة، بل يصر على أن الخطاب الديني الرسمي حين يشرح السيرة ينبغي أن يكون أميناً على تعقيداتها، لا أن ينتقي منها ما يريح السامع الحديث ويترك ما يحتاج إلى بيان وتأطير.
الأخطر في رأيه أن بعض المدافعين عن الوزير لم يناقشوا السؤال الأصلي، بل لجؤوا إلى توصيف المخالفين وكأن المشكل في عقولهم أو فطرتهم، لا في العبارة نفسها.
وهذا، في تقدير قرطاح، خروج من النقاش العلمي إلى لغة التزكية والوصاية، لأن مناقشة النصوص والوقائع لا تحتاج إلى توزيع شهادات سلامة الفطرة، بل إلى دليل، ومنهج، وقدرة على الجمع بين النص والتاريخ والواقع.
ومن خلال رده على مقال عبد الخالق حسين، رئيس المجلس العلمي بطانطان، ينتقد قرطاح ما اعتبره “مرافعة” أكثر منها دراسة، لأنها بدأت، حسب قراءته، من نتيجة جاهزة، وهي أن الدفاع عن الوزير دفاع عن السياسة الدينية، ثم بنت على ذلك اتهاماً واسعاً لكل من خالف العبارة.
لكن السؤال الذي يتركه قرطاح معلقاً أكبر من اسم الوزير ومن اسم المدافع عنه، هل صارت بعض المرافعات داخل الحقل الديني مشغولة بحماية المسؤول أكثر من حماية المعنى، وهل أصبح المدح أقرب طريق إلى القرب من القرار، بينما صارت النصيحة الصريحة تبدو كأنها خروج عن الصف.
في خلفية التدوينة، يظهر غضب واضح من انتقائية بعض الأصوات، فهي تسارع، حسب قرطاح، إلى الدفاع عن الوزير حين يتعرض للنقد، لكنها تصمت عندما تصدر عبارات أكثر استفزازاً في حق مؤسسات دينية رسمية أو رموز دينية جامعة.
وهنا يتحول النص من رد فقهي إلى نقد لسلوك النخب المحيطة بالسلطة، تلك التي تتحرك حين يكون الدفاع مفيداً، وتختفي حين تكون الكلمة مكلفة.
قوة تدوينة قرطاح أنها لا تترك الوزير وحده في الواجهة، بل تحاكم البيئة التي صنعت حوله جداراً من المديح، وتلمح إلى أن المسؤول لا يُخدم بمن يصفقون له عند كل تعثر، بل بمن يملكون شجاعة القول إن العبارة تحتاج إلى مراجعة أو ضبط أو شرح.
ولذلك جاء ختام التدوينة قاسياً في معناه، حين خاطب الوزير بما يفيد أن مشكلته ليست فقط في خصومه، بل في الذين التفوا حوله للدفاع عنه بطريقة زادت الجدل اشتعالاً.
فالوزير، في هذه القراءة، لم يُحرج فقط بسبب ما قاله، بل بسبب من حاولوا إنقاذ ما قاله بمنطق لا يفرق بين النقد والهجوم، ولا بين المؤسسة والعبارة، ولا بين النصيحة والاصطفاف.
تكشف هذه الواقعة أن الشأن الديني في المغرب لم يعد يتحمل العبارات المرتجلة ولا الدفاعات المتسرعة، لأن كل كلمة صادرة عن مسؤول رسمي تصبح مادة تأويل عام، وكل محاولة لتغليفها بالمديح قد تحولها من زلة لغوية إلى قضية رأي عام.
ومصطفى قرطاح، سواء اتفق معه القارئ أو اختلف، نجح في نقل النقاش من سؤال “ماذا قال الوزير؟” إلى سؤال أعمق، “كيف ندافع عن المسؤول حين يخطئ، وهل الدفاع الحقيقي هو أن نحميه من النقد، أم أن نحميه من المدافعين الفاشلين؟”.
