لم يعد الأمن بين الدول يقاس فقط بما يجري في الحدود والمطارات والموانئ، بل صار يمر أيضاً من الحسابات، والتحويلات، والشركات، والواجهات المالية التي تتحرك أحياناً بسرعة أكبر من قدرة الإدارات على التتبع والمراقبة.
في هذا السياق، وقع جهاز “تراكفين” الفرنسي، المتخصص في الاستخبار المالي، اتفاق تعاون مع الهيئة الوطنية للمعلومات المالية بالمغرب، في خطوة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تضع المال في قلب معادلة الأمن والسيادة والثقة الدولية.
الاتفاق وُقع يوم 19 ماي 2026، على هامش لقاء جمع وزيرة الاقتصاد والمالية المغربية نادية فتاح العلوي بنظيرها الفرنسي رولان ليسكور، وبالتزامن مع النسخة الخامسة من مؤتمر “No Money for Terror” المنعقد في باريس، وفق بلاغ صادر عن وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية.
القيمة الحقيقية لهذا الاتفاق لا تقف عند عبارة “مذكرة تفاهم”، بل في ما تعنيه عملياً، أي تسهيل تبادل المعلومات ذات الصلة بالعمليات المالية المشبوهة، وتقوية التعاون بين جهازي الاستخبار المالي في البلدين لمحاصرة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
هنا لا يعود المال مجرد رقم بارد داخل حساب بنكي، بل يصبح أثراً يمكن أن يكشف شبكة، أو مسار تمويل، أو شركة واجهة، أو محاولة لإخفاء مصدر أموال تتحرك خلف غطاء قانوني أنيق.
ولذلك، لا يمكن قراءة الاتفاق باعتباره تفصيلاً إدارياً موجهاً للخبراء فقط، لأنه يلامس منطقة حساسة في علاقة الاقتصاد بالأمن، حيث لم تعد حماية السوق تعني فقط جذب الاستثمار وضبط الأسعار، بل تعني أيضاً معرفة من يحرك الأموال، ومن يخفي مصدرها، ومن يحاول استعمال النظام المالي كستار لنشاط غير مشروع.
المغرب، الذي اشتغل خلال السنوات الأخيرة على تقوية منظومته في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، يبدو اليوم حريصاً على تثبيت صورته كشريك مالي موثوق، لا يكتفي بتعديل النصوص، بل يبحث عن ربط أجهزته المختصة بشبكات تعاون دولية أكثر يقظة وفعالية.
غير أن الوجه الآخر لهذا التحول أن المعلومة المالية أصبحت مادة سيادية دقيقة، لأن التعاون في هذا المجال يفتح الباب أمام تبادل معطيات حساسة، قد تكون ضرورية لمواجهة الجريمة المالية، لكنها تفرض في الوقت نفسه سؤال الضمانات، وحماية المعطيات الشخصية، وحدود استعمال المعلومات.
بهذا المعنى، يصبح الاتفاق المغربي الفرنسي أكثر من مجرد توقيع جديد في سجل التعاون الثنائي، لأنه يكشف انتقالاً هادئاً في فهم السيادة المالية، من مراقبة الأرقام بعد وقوع الخطر، إلى قراءة الإشارات قبل أن يتحول المال إلى تهديد.
اللافت أن هذا الاتفاق يأتي في زمن تغيرت فيه الجريمة المالية نفسها، حيث لم تعد تتحرك فقط عبر حقائب نقدية أو تحويلات مباشرة، بل عبر شركات وهمية، وواجهات تجارية، وتحويلات متقطعة، وابتكارات مالية قد تُستعمل أحياناً للتمويه أكثر مما تستعمل للاستثمار.
ومن هذه الزاوية، تبدو الرباط وباريس أمام تعاون لا يتعلق فقط بملاحقة أموال مشبوهة، بل بإعادة تعريف جزء من العلاقة بين المال والأمن، حيث تصبح المعلومة المالية أداة دفاع ناعمة، قادرة على كشف ما لا تكشفه الخطب ولا البلاغات السياسية.
لكن نجاح هذا المسار سيبقى رهيناً بتوازن دقيق، محاربة المال غير المشروع من جهة، وصون الثقة في المعاملات والخصوصية القانونية من جهة أخرى، لأن الدولة القوية ليست فقط التي تجمع المعلومات، بل التي تعرف كيف تستعملها دون أن تحول كل حركة مالية إلى شبهة مفتوحة.
الاتفاق المالي بين المغرب وفرنسا ليس خبراً تقنياً عابراً، بل إشارة إلى زمن جديد، زمن صارت فيه السيادة تمر من الخزائن الرقمية، ومن ذكاء الأجهزة المالية، ومن قدرة الدولة على تتبع حركة المال قبل أن يتحول المال نفسه إلى خطر.
