بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد النقاش حول تطبيقات النقل في المغرب مجرد احتكاك يومي بين سائق طاكسي وسائق يشتغل عبر الهاتف، ولا مجرد مشاهد متفرقة في شوارع الدار البيضاء ومراكش وطنجة، بل بدأ يتحول إلى معادلة اقتصادية أوسع، تدخل فيها منصات دولية، وشركات تمويل، وأساطيل سيارات، ونموذج جديد للعمل يسبق أحياناً وضوح القواعد التنظيمية.
أعلنت منصة inDrive، عبر بلاغ نشرته Business Wire، توقيع مذكرة تفاهم مع شركة GoCab المتخصصة في تمويل حلول التنقل، من أجل توسيع ولوج السائقين إلى السيارات، على أن ينطلق المشروع أولاً من المغرب والشيلي، مع إمكانية التوسع لاحقاً إلى أسواق أخرى.
وحسب البلاغ نفسه، ستوفر GoCab في المرحلة الأولى ما لا يقل عن 1000 سيارة للسائقين عبر صيغ كراء وتمويل مرنة، مع خطة لرفع العدد إلى 4000 سيارة في المغرب والشيلي معاً، بينما سيتم ربط السائقين المشاركين بمنصة inDrive للاستفادة من قاعدة الزبناء التي توفرها.
هنا يبدأ السؤال المغربي الحقيقي: هل نحن أمام حل اقتصادي واجتماعي يفتح باب الدخل أمام فئات تبحث عن الشغل، أم أمام توسع جديد لمنصات النقل قبل أن تكتمل قواعد اللعبة بين التطبيقات وسيارات الأجرة والسلطات التنظيمية؟.
البلاغ يقدم المشروع باعتباره وسيلة لتجاوز كلفة اقتناء السيارة، وهي واحدة من أكبر العوائق أمام الراغبين في الاشتغال داخل اقتصاد المنصات، حيث يسمح النموذج المقترح للسائق باستعمال السيارة وأداء كلفتها تدريجياً، مع إمكانية التملك في نهاية المسار التعاقدي.
من حيث الفكرة، يبدو العرض مغرياً: سائق لا يتوفر على رأسمال كبير، سيارة متاحة، منصة توفر الطلب، ودخل يومي محتمل.
لكن من زاوية السياسة العمومية، فالأمر أكبر من إعلان تجاري، لأن إدخال سيارات ممولة إلى سوق النقل الحضري يعني عملياً إعادة تشكيل جزء من منظومة التنقل داخل المدن، خصوصاً في قطاع ما تزال علاقته مع النقل المأذون له تقليدياً موضوع احتكاك ونقاش.
الأكثر حساسية أن الشراكة لا تقف عند تمويل السيارات فقط، بل تربط بين التمويل والمعطيات والسوق والمنصة، إذ ستوفر inDrive، حسب البلاغ، معطيات وتحليلات مرتبطة بالسوق والسائقين، بينما تتكفل GoCab بضمان احترام السيارات للمتطلبات والمواصفات التنظيمية المحلية.
هذه العبارة وحدها تستحق التوقف، لأنها تنقل النقاش من مجرد سيارة ممولة إلى سؤال الامتثال القانوني: من يحدد شروط الاشتغال، ومن يراقب، وهل يكفي أن تعلن شركة أن السيارات تستجيب للمتطلبات المحلية، أم إن الأمر يحتاج إطاراً واضحاً ومعلناً يطمئن السائقين والمهنيين والركاب في الوقت نفسه؟.
وليس هذا الظهور الأول لـ GoCab في المغرب، فقد سبق للشركة أن أعلنت على موقعها إطلاق أول أسطول لها في الدار البيضاء عبر شراكة مع inDrive وM-AUTOMOTIV، معتبرة أن البرنامج يمنح السائقين المغاربة ولوجاً مبسطاً إلى سيارات موثوقة مع إمكانية بناء ملكية طويلة الأمد.
كما أعلنت GoCab عن لقاء مع سائقين شركاء في الدار البيضاء، إلى جانب فرق inDrive، بهدف فهم انتظارات المهنيين العاملين على المنصة، خصوصاً ما يرتبط بصعوبة الولوج إلى السيارة، واستقرار الدخل، والدعم نحو التملك.
المعنى واضح: الأمر لم يعد تجربة صغيرة أو حضوراً رمزياً، بل بداية تموقع منظم داخل سوق مغربي حساس، حيث النقل الحضري ليس مجرد خدمة تجارية، بل قطاع اجتماعي له رخص ومهنيون وتوازنات واحتقان متراكم.
وهنا لا يتعلق النقاش بإدانة التطبيقات ولا بالدفاع الأعمى عن الوضع القائم في قطاع الطاكسيات.
التطبيقات جاءت لأنها ملأت فراغاً حقيقياً في الجودة والسرعة والشفافية، وفتحت باباً أمام فئات تبحث عن الشغل والدخل، لكنها في الوقت نفسه دخلت مجالاً لا يمكن أن يظل معلقاً بين الواقع اليومي والفراغ التنظيمي.
والطاكسيات أيضاً ليست مجرد رقم في الشارع، بل منظومة تعيش على تراخيص وقواعد وتكاليف والتزامات، وأي منافسة غير مؤطرة قد تتحول من تحديث للخدمة إلى مصدر جديد للاحتقان.
والأدق أن التحولات الاقتصادية في مجال النقل أصبحت أسرع من وتيرة النقاش التنظيمي، وهو ما يجعل الحاجة إلى إطار واضح أكثر إلحاحاً.
شركة تمول السيارات، منصة توفر الزبناء، سائق يبحث عن الدخل، وراكب يريد خدمة أسرع وأرخص، لكن فوق كل ذلك تبقى السلطات المعنية مطالبة بأن تحدد بهدوء أين ينتهي الابتكار، وأين تبدأ قواعد المنافسة العادلة، وكيف يمكن حماية مصالح الركاب والمهنيين والمستثمرين في الوقت نفسه.
مذكرة inDrive وGoCab تفتح نافذة جديدة على سؤال النقل بالمغرب: هل سيتم التعامل مع اقتصاد التطبيقات كواقع ينبغي تنظيمه بشجاعة، أم سيظل معلقاً بين التسامح الميداني والاحتكاك اليومي والمنطقة الرمادية؟.
ما أعلنته الشركتان قد يكون فرصة لإعادة التفكير في النقل الحضري، لكنه قد يتحول أيضاً إلى أزمة جديدة إذا بقيت القواعد غير مفهومة للسائق والزبون والمهني التقليدي والمستثمر.
العنوان الحقيقي ليس فقط سيارات جديدة تدخل السوق عبر صيغ تمويل وكراء، بل من يملك حق رسم الطريق قبل أن تمتلئ الشوارع بسيارات لا تنتمي تماماً إلى منطق الطاكسيات، ولا تتحرك خارج منطق التطبيقات.
