أعاد الكاتب والباحث إدريس الكنبوري، في تدوينة حادة النبرة، فتح نقاش حساس حول طبيعة بعض الأصوات التي تتصدر واجهة التحليل السياسي في المغرب، وحول الطريقة التي يتحول بها الدفاع عن الدولة، حين يمارَس بلا معرفة ولا استقلالية ولا رصانة، إلى عبء على صورتها بدل أن يكون سنداً لها.
التدوينة جاءت بلغة قاسية ومباشرة، لكنها لم تقف عند حدود انتقاد أشخاص أو مواقع بعينها، بل ذهبت إلى نقد ظاهرة أوسع، تتعلق بصناعة محللين سياسيين لا يملكون، في نظر صاحبها، أدوات التحليل ولا الرصيد العلمي ولا الحد الأدنى من القدرة على إنتاج خطاب يحترم ذكاء المتلقي.
فالمشكل، كما يطرحه الكنبوري، لا يكمن فقط في وجود آراء منحازة أو قراءات سياسية ضعيفة، بل في تحويل الضعف نفسه إلى سلطة رمزية، وفي تقديم بعض الوجوه بوصفها مراكز تفكير وخبرة، بينما لا تنتج سوى خطاب مرتبك، يرفع شعار الدفاع عن الدولة، ثم يسيء إليها من حيث يظن أنه يخدمها.
بهذا المعنى، تبدو التدوينة كأنها احتجاج على زمن اختلط فيه التحليل بالتكليف، والجامعة بالفراغ، ومراكز البحث بالواجهات الورقية، حتى صار اللقب أكبر من المضمون، وصارت بعض المنابر تستدعي الصفة قبل الفكرة، والولاء قبل الكفاءة، والضجيج قبل المعرفة.
الأكثر لفتاً في كلام الكنبوري أنه لا يدافع عن حزب العدالة والتنمية، ولا يقدم نفسه في موقع المحامي عنه، بل يدافع عن منطق يقول إن النقد، لكي يكون محترماً، ينبغي أن يكون متوازناً وشاملاً، لا أن يتحول إلى بندقية موجهة في اتجاه واحد كلما اقترب موسم انتخابي أو احتاجت بعض المواقع إلى إظهار الحضور.
فالعدالة والتنمية، مثل غيره من الأحزاب، قابل للنقد والمساءلة والمواجهة السياسية، بل إن نقده يبقى مشروعاً بالنظر إلى تجربته الحكومية ومواقفه وتحولاته، غير أن تحويله إلى الخصم الوحيد في مشهد سياسي يعرف وجود أحزاب أكثر نفوذاً وتأثيراً، يطرح سؤال الانتقائية أكثر مما يطرح سؤال الجرأة.
هنا يلمس الكنبوري جوهر المفارقة السياسية: كيف يمكن لبعض الأصوات أن تصمت خمس سنوات كاملة أمام ملفات كبرى، ثم تستيقظ فجأة مع اقتراب الانتخابات لتجعل من حزب واحد هدفها المركزي؟ وكيف يمكن لمن يدعي التحليل أن يتجاهل أحزاباً تحولت، بفعل المال والمصالح والمواقع، إلى قوى نافذة داخل الحياة العامة، ثم يختزل النقاش كله في حزب خرج من السلطة وما زال يُستعمل أحياناً كفزاعة انتخابية جاهزة؟
الناقد البصير، كما توحي التدوينة، لا يبدأ من الخصم الأسهل، ولا يختار معاركه وفق رائحة المرحلة، بل يذهب أولاً إلى مراكز القوة الحقيقية، وإلى مواقع النفوذ الفعلي، وإلى الأحزاب التي تمسك بخيوط القرار أو تستفيد من قربها من السلطة والمال والإدارة والانتخابات.
أما أن يبدأ التحليل بحزب العدالة والتنمية وينتهي به، فذلك، في نظر الكنبوري، ليس شجاعة فكرية ولا نقداً سياسياً، بل سلوك انتقائي يفتح الباب أمام سؤال أعمق حول استقلالية هؤلاء المتحدثين، وحول الجهة التي تصنع بعض الأصوات ثم تطلقها في الفضاء العام كلما اقتضت الحاجة ذلك.
قيمة التدوينة أنها تضع الأصبع على واحدة من أزمات النقاش العمومي في المغرب: أزمة المحلل الذي لا يحلل، والخبير الذي لا ينتج معرفة، ورئيس المركز الذي لا يعرف معنى البحث، والمدافع عن الدولة الذي يسيء إليها برداءة أدواته وارتباك لغته وضحالة منطقه.
فالدولة، أي دولة، لا تحتاج إلى من يدافع عنها بالصراخ أو الشتيمة أو تصفية الحسابات، بل تحتاج إلى عقول رصينة تحترم الوقائع، وتقرأ التحولات، وتنتقد الاختلالات، وتعرف أن قوة الدولة لا تصان بإسكات الأسئلة، بل بترقية النقاش حولها.
ولهذا تبدو عبارة الكنبوري عن “منطق الشرفاء” مفتاحاً لفهم خلفية التدوينة كلها، فهو لا يطلب امتيازاً لحزب، ولا حصانة لتيار، ولا صمتاً عن تجربة سياسية بعينها، بل يطالب فقط بحد أدنى من النزاهة الفكرية، حيث يُنقد الجميع بالميزان نفسه، وحيث لا يتحول التحليل إلى خدمة انتخابية مؤجلة.
في العمق، نحن أمام سؤال لا يخص الكنبوري وحده، ولا يخص العدالة والتنمية وحده، بل يخص المشهد السياسي والإعلامي والأكاديمي كله: من يصنع الواجهة؟ ومن يمنح صفة الخبير؟ ومن يحدد موضوع النقد؟ ولماذا تظهر بعض الأصوات فقط حين يصبح الكلام مطلوباً في اتجاه محدد؟
حين يصبح التحليل مجرد اصطفاف، تفقد السياسة معناها. وحين تتحول الجامعة إلى صمت، ومراكز البحث إلى عناوين بلا مضمون، والمنابر إلى مصانع للآراء الجاهزة، يصبح الدفاع عن الدولة أضعف من النقد الموجه إليها، لأن الرداءة لا تحمي صورة المؤسسات، بل تجعلها تبدو في حاجة إلى من لا يحسن حتى شرحها.
تدوينة الكنبوري، بكل حدتها، تعيد النقاش إلى مكانه الصحيح: ليس المطلوب أن نتفق معه في كل توصيفاته، ولا أن نعيد إنتاج لغته كما هي، بل أن نفهم السؤال الذي يطرحه. هل نريد تحليلاً سياسياً حقيقياً، أم مجرد أصوات موسمية تتحرك عند الطلب؟ وهل نريد نقداً شجاعاً يذهب إلى حيث توجد القوة، أم نقداً انتقائياً يختار الهدف الأقل كلفة؟
في النهاية، لا تبدو القضية دفاعاً عن حزب العدالة والتنمية، بل دفاعاً عن حق السياسة في أن تُناقش بعقل. فالمغرب لا يحتاج إلى محللي آخر الزمن، ولا إلى خبراء بلا خبرة، ولا إلى مدافعين يثقبون الصورة وهم يظنون أنهم يلمعونها. يحتاج فقط إلى منطق شريف، وإلى نقد لا يخاف من الأقوياء، ولا يستقوي على من صار خارج السلطة.
