بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد الأسئلة المطروحة حول مجلس الجالية المغربية بالخارج تتعلق بجدوى نشاط عابر أو ندوة لم تحظ بالتغطية الكافية، بل صارت تمس وجود المؤسسة نفسها: من يمثل المجلس فعلياً؟ ماذا غيّر في حياة مغاربة العالم؟ أين آراؤه الاستشارية وتقاريره الاستشرافية؟ ولماذا لا يظهر صوته بقوة عندما يموت مواطن مغربي خلال تدخل أمني أو يُحرم ملايين المقيمين بالخارج من ممارسة حقهم الانتخابي مباشرة من بلدان الإقامة؟
أنشئ المجلس بظهير ملكي بتاريخ 21 دجنبر 2007، لولاية أولى حُددت في أربع سنوات، ثم تحول بموجب الفصل 163 من دستور 2011 إلى مؤسسة دستورية مكلفة بإبداء الرأي حول السياسات العمومية التي تضمن حقوق المغاربة المقيمين بالخارج، وتصون مصالحهم وتحافظ على روابطهم بالمغرب.
لا يتعلق الأمر، إذن، بجمعية ثقافية ولا بمكتب لتنظيم المعارض وتقديم الكتب. المجلس مؤسسة استشارية واستشرافية تتمتع، وفق تعريفها الرسمي، بالاستقلال الإداري والمالي، وتوجد في صلب مهمتها متابعة وتقييم سياسات الدولة تجاه مواطنيها المهاجرين، وتقديم الآراء بشأن النصوص القانونية والقضايا المرتبطة بالهجرة، واقتراح التدابير اللازمة لحماية المغاربة الموجودين في أوضاع صعبة أو هشة.
المجلس لا يملك صلاحيات الشرطة أو القضاء أو الدبلوماسية القنصلية، ولا يستطيع أن يحل محل السفارات أو وزارة الخارجية. لكنه يملك ما لا تملكه جمعية عادية: الصفة الدستورية، والوصول المؤسساتي، والميزانية العمومية، وواجب تنبيه السلطات وإصدار الآراء والتوصيات وتقييم أداء المؤسسات المكلفة بمغاربة العالم.
هنا تبدأ المفارقة.
بلغت الميزانية السنوية التي أعلن عنها المجلس نفسه 49 مليون درهم، أي 4.9 مليارات سنتيم كل سنة. وإذا احتُسب هذا الرقم خلال 18 سنة كاملة فقط، فإننا نصل إلى نحو 882 مليون درهم، أي 88.2 مليار سنتيم.
هذا حساب تقديري مبني على الميزانية السنوية المعلنة، وليس إثباتاً بأن المجلس صرف الرقم نفسه كل سنة أو أنفق المبلغ كاملاً.
لكنه يكفي لطرح السؤال الذي يفترض أن تجيب عنه حسابات وتقارير سنوية مفصلة: ماذا أنتجت هذه الاعتمادات من آراء رسمية أثرت في القوانين؟ وما السياسات التي تغيرت بناء على توصيات المجلس؟ وكم مغربياً في وضع هش استفاد من تدخل مؤسساتي بدأ بتوصية منه؟
حين يدخل الزائر إلى الموقع الرسمي للمجلس، يجد خلال يوليوز 2026 أخباراً عن الاحتفاء بالموسيقى المغربية في نيويورك، والمشاركة في جامعة صيفية لشباب مغاربة العالم، ومعرض لفوتوغرافيين في مدينة آرل الفرنسية، ومنتدى لحقوق الإنسان بالصويرة، وبودكاستات ومجلات وكتب ولقاءات حول الثقافة والهجرة والاستثمار.
هذه الأنشطة ليست عديمة القيمة. الثقافة والهوية والذاكرة والتعريف بكفاءات الهجرة تدخل كلها ضمن القضايا التي تهم مغاربة العالم.
لكن السؤال هو: هل تتحول مؤسسة دستورية مكلفة بالتقييم والاستشراف وصيانة المصالح إلى ناشر كتب ومنظم لقاءات وناقل لأخبار الجنسية والتحويلات المالية؟
حتى عبد الله بوصوف، الأمين العام للمجلس منذ سنة 2007 إلى اليوم، دافع في فبراير 2026 عن الحصيلة بالقول إن المجلس أنتج أكثر من 200 مؤلف، وأنجز دراسات من بينها بحث شمل 1400 شاب مغربي بأوروبا، ونظم منتديات، وساهم في وضع الهجرة داخل النقاش الإعلامي والبرلماني.
غير أن قوة المؤسسة الدستورية لا تقاس بعدد الكتب وحده، بل بعدد الآراء الرسمية التي قدمتها، والتقارير الاستراتيجية التي نشرتها، والسياسات التي دفعتها إلى التغيير، والنتائج القابلة للقياس التي حققتها لفائدة المواطنين.
لم تصدر الانتقادات الموجهة إلى المجلس عن خصوم مجهولين أو تعليقات عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
ففي مارس 2026، خصص الأستاذ الجامعي والباحث المتخصص في الهجرة عبد الكريم بلݣندوز سلسلة من خمس دراسات للرد على دفاع بوصوف عن الحصيلة، وقدم فيها جرداً شديد القسوة لما اعتبره اختلالات بنيوية رافقت المؤسسة طوال نحو 18 سنة.
وفق بلݣندوز، لم ينشر المجلس رأياً استشارياً رسمياً مستوفياً للمسطرة المنصوص عليها، ولم يصدر سلسلة التقارير الاستشرافية العامة التي يفترض إعدادها كل سنتين، كما لم تعقد جمعيته العامة اجتماعها السنوي بعد جلسة الانطلاق المنعقدة في يونيو 2008.
هذه خلاصات صادرة عن باحث ومنتقد للمجلس، وليست حكماً قضائياً أو تقريراً رقابياً نهائياً. لكنها تستند إلى أسئلة يمكن التحقق منها: أين توجد على الموقع الرسمي لائحة الآراء الاستشارية المعتمدة، وتواريخ إحالتها، والجهات التي توصلت بها، ومآل توصياتها؟ وأين التقارير التي تحلل اتجاهات الهجرة المغربية وتحولاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟
سبق لبوصوف أن صرح سنة 2016 بأن المجلس أحال نحو 20 رأياً استشارياً في «مواضيع حساسة»، وقال لاحقاً إن المؤسسة قدمت آراء عديدة إلى الجهات المختصة، وإنها ليست ملزمة بإعلانها في بيانات صحفية.
لكن بلݣندوز يرد بأن الندوات والمراسلات والكتب لا تصبح آراء استشارية رسمية إلا بعد إعدادها داخل مجموعات العمل، والتداول بشأنها واعتمادها من الجمعية العامة، وهي المسطرة التي تجعل من المقترح رأياً مؤسساتياً صادراً عن المجلس، لا مجرد فكرة وردت في كتاب أو ندوة.
ولم يكن بلݣندوز أول من رفع هذه المؤاخذات. ففي دجنبر 2019، انتقد الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي يحيى اليحياوي استمرار المؤسسة بعد انتهاء ولايتها الأولى في 21 دجنبر 2011، وتساءل عن بقاء بوصوف في الأمانة العامة، وعن عدم إنجاز التصور المتعلق بتركيبة المجلس المقبلة وكيفية اختيار أعضائه وضمان تمثيلية مغاربة العالم داخله.
الأخطر أن الانتقاد سبق أن خرج من داخل المجلس نفسه.
ففي 29 يوليوز 2009، وجه خمسة أعضاء في مجموعة «المواطنة والمشاركة السياسية»، هم حميد بيشري ومحمد الفارسي وعبدو منبهي ومحمد الموساوي وكمال الرحموني، مذكرة عاجلة إلى رئيس المجلس إدريس اليزمي.
انتقد الموقعون ما اعتبروه تجاهلاً لمطلب المشاركة السياسية لمغاربة العالم، وعدم إدراج هذا الملف بصورة واضحة ضمن استطلاعات انتظارات الجالية، والتراجع عن اتفاقات مجموعة العمل، وفرض وصاية مفرطة على أنشطتها، وعدم توفير الظروف اللازمة لإعداد رأي استشاري حول التصويت والترشيح من بلدان الإقامة.
بعد أربع سنوات، انتقل عبدو منبهي، العضو السابق ومقرر مجموعة «المواطنة والمشاركة السياسية»، من الاحتجاج الداخلي إلى الاستقالة العلنية.
فقد نشر في فبراير 2013 وثيقة من 17 صفحة بعنوان «أسباب استقالتي من مجلس الجالية»، اتهم فيها إدارة المجلس بعرقلة إعداد رأيين أساسيين: الأول حول مشاركة مغاربة العالم في الانتخابات التشريعية انطلاقاً من بلدان الإقامة، والثاني حول التركيبة المستقبلية للمجلس وكيفية ضمان تمثيليته.
هذه اتهامات صادرة عن عضو سابق ولا تشكل في ذاتها أحكاماً قضائية ضد مسؤولي المجلس. لكنها تثبت أن أزمة الحكامة والمشاركة السياسية وتعطل الآراء الاستشارية لم تظهر اليوم، بل كانت مطروحة داخل المؤسسة منذ سنواتها الأولى.
وصلت الانتقادات أيضاً إلى البرلمان. ففي نونبر 2015، تساءل النائبان البرلمانيان آنذاك عبد العزيز أفتاتي وعبد الكريم النماوي عن جدوى المجلس وحصيلته مقابل ميزانيته السنوية.
وذهب النماوي إلى القول إنه يتحدى من يشرح للبرلمان ماذا يفعل المجلس وماذا يقدم فعلياً للجالية.
بعد أكثر من عشر سنوات على ذلك التحدي، ما زال السؤال نفسه قائماً: أين الآراء الرسمية؟ أين التقارير الاستراتيجية؟ وما السياسات التي تغيرت نتيجة عمل المجلس؟
تكررت الانتقادات في مارس 2026، حين طالب «المجلس المدني الديمقراطي للهجرة المغربية»، وهو إطار يضم فاعلين من مغاربة العالم، بإصلاح المؤسسات المعنية بالهجرة، وفي مقدمتها مجلس الجالية.
وانتقد استمرار الفريق الحالي في تدبير المؤسسة وميزانيتها، ودعا إلى مراقبة أقوى وتمثيلية تشاركية تعترف بمغاربة العالم شركاء في القرار، لا مجرد مصدر للتحويلات المالية.
أما أقوى إشارة مؤسساتية، فجاءت في الخطاب الملكي ليوم 6 نونبر 2024، الذي دعا إلى إعادة هيكلة المؤسسات المعنية بالجالية بما يضمن تجاوز تداخل الاختصاصات وتشتت الفاعلين، وشدد على أن مجلس الجالية «يجب أن يقوم بدوره كاملاً» كإطار للتفكير وتقديم الاقتراحات، وأن يعكس تمثيلية مختلف مكونات الجالية، مع تسريع إخراج قانونه الجديد وتنصيبه في أقرب الآجال.
لا يقدم الخطاب حكماً قضائياً على حصيلة المجلس، لكنه يضع الإصبع على ثلاثة أعطاب يصعب تجاهلها: دور لم يُنجز كاملاً، وتمثيلية تحتاج إلى إعادة بناء، وقانون جديد تأخر سنوات طويلة.
الظهير المؤسس لم يطلب من المجلس الاكتفاء بجمع المادة الثقافية. لقد ألزمه بوظيفة استشرافية تشمل مراقبة التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية المرتبطة بالهجرة، حتى تتمكن الدولة من اتخاذ إجراءات استباقية. كما جعل الجمعية العامة فضاءً للتداول في البرنامج والميزانية ومشاريع الآراء والتوصيات والتقارير.
لكن النسخة التي وُصفت عند تأسيسها بأنها انتقالية تحولت إلى انتقال يكاد يكون دائماً. الأعضاء عُينوا لولاية أولى من أربع سنوات، بينما ظل بوصوف أميناً عاماً منذ 2007، أي ما يقارب عقدين داخل المنصب نفسه.
والموقع الرسمي للمجلس يقر بأن الأمين العام يُعين لمدة أربع سنوات، لكنه يقدم في الوقت نفسه بوصوف بوصفه شاغلاً للمنصب منذ سنة التأسيس.
الاستمرار في المنصب لا يشكل وحده مخالفة قضائية ثابتة، خصوصاً أمام تأخر إخراج القانون الجديد للمجلس. لكنه يثير سؤالاً سياسياً مشروعاً حول التداول والمحاسبة وتجديد التمثيلية وحدود استمرار مؤسسة انتقالية بالتركيبة نفسها طوال هذه المدة.
كما لاحقت تدبير المجلس في سنوات سابقة خلافات حول بعض الشراكات المالية. فقد أثار تحويل نحو 1.1 مليون درهم سنة 2009 إلى مؤسسة فرنسية لإنجاز معرض ثقافي جدلاً صحفياً بسبب صلات رئيس المجلس السابق إدريس اليزمي بتلك المؤسسة.
وكان بوصوف قد وقع الاتفاقية من جانب المجلس. وردت المؤسسة لاحقاً بالدفاع عن سلامة تدبيرها المالي والإعلان عن اللجوء إلى القضاء ضد ما اعتبرته أكاذيب وقرصنة لوثائقها.
لذلك، لا يجوز تقديم تلك الاتهامات القديمة باعتبارها إدانة قضائية لبوصوف أو دليلاً نهائياً على تبديد المال العام، لكن القضية تظل مثالاً على الكلفة التي يؤديها غياب النشر الاستباقي للعقود والشراكات والمستفيدين والنتائج وتقارير الافتحاص.
المجلس الذي يريد إنهاء الشكوك لا يحتاج إلى بيانات غاضبة، بل إلى بوابة شفافية تنشر الميزانية التفصيلية، والصفقات والمنح والاتفاقيات وتقارير التدقيق وتعويضات المسؤولين ومحاضر الجمعية العامة والآراء المعتمدة ومؤشرات قياس الأثر.
تزداد الأسئلة حدة عندما تسقط أرواح مغربية في بلدان الإقامة.
توفي الشاب المغربي عبد الرحيم، البالغ من العمر 35 سنة، يوم 17 يونيو 2025 عقب تدخل شرطي في توريخون دي أردوز قرب مدريد. وأثارت القضية احتجاجات ومساءلة برلمانية لوزير الخارجية المغربي.
كما توفي المغربي هيثم، البالغ من العمر 35 سنة، يوم 11 دجنبر 2025 بمدينة توريمولينوس، في ظروف ارتبطت بتدخل أمني واستعمال صاعق كهربائي، بحسب ما ورد في سؤال برلماني مغربي.
لم يكن مطلوباً من مجلس الجالية أن يحل محل القضاء الإسباني، ولا أن يصدر حكماً مسبقاً ضد عناصر الشرطة. كان المطلوب أن يمارس وظيفته الطبيعية: متابعة الملف، والتواصل مع الأسرتين، وتقييم استجابة المصالح القنصلية، والتنسيق مع الهيئات الحقوقية، ورفع توصية رسمية حول حماية المغاربة أثناء التدخلات الأمنية ومعالجة مؤشرات التمييز والعنف.
القضية الأحدث والأكثر صدمة وقعت يوم 19 يوليوز 2026 بمدينة بولونيا الإيطالية، حيث توفي عبد الرحيم فاكر أثناء تدخل للشرطة. وأظهر تسجيل متداول الضحية مثبتاً على بطنه وهو يطلب المساعدة ويقول إنه يجد صعوبة في التنفس، قبل أن تتوقف حركته.
فتحت النيابة الإيطالية تحقيقاً، وقررت مراجعة تسجيلات كاميرات عناصر الشرطة، بينما طالبت رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني بتحقيق كامل وصارم. وتحولت القضية إلى احتجاجات ونقاش سياسي وحقوقي واسع داخل إيطاليا.
لا تسمح المعطيات الحالية بالجزم بالسبب الطبي المباشر للوفاة أو بإسناد مسؤولية جنائية نهائية إلى عناصر الشرطة أو الطاقم الطبي.
ذلك اختصاص التحقيق والتشريح والقضاء. لكن القضية تخص مواطناً مغربياً وتهز جالية يفترض أن المجلس أنشئ لصيانة مصالحها.
حتى تاريخ 21 يوليوز 2026، لم يظهر ضمن الأخبار المتاحة على واجهة الموقع الرسمي للمجلس موقف واضح بشأن وفاة عبد الرحيم فاكر، في وقت كان الموقع ينشر أخبار مهرجانات ومعارض وجامعات صيفية وتحويلات مالية.
الصمت هنا ليس مجرد خلل في التواصل، إنه يمس جوهر الوظيفة الدستورية، فحين يصل ملف وفاة مواطن مغربي أثناء تدخل أمني إلى رئيسة الحكومة الإيطالية والبرلمان والشارع، بينما لا يجد القارئ في واجهة مؤسسة مغربية دستورية موقفاً أو توصية أو حتى إعلان متابعة، يصبح السؤال مشروعاً: لصالح من توجد هذه المؤسسة؟
أسر مغربية مستقرة في الولايات المتحدة ودول أوروبية تقول إنها لم تسمع بمجلس الجالية إلا عبر الأخبار أو بعد وقوع مأساة تخص أحد المغاربة.
أسر تدفع الضرائب في بلدان إقامتها، وتحول الأموال إلى المغرب، وتحافظ على صلاتها العائلية والثقافية به، لكنها لا تعرف أين يوجد المجلس، وكيف تتواصل معه، وما الذي يستطيع فعله عند التعرض للتمييز أو الاعتداء أو تعثر المساطر القنصلية.
هذه الشهادات لا تكفي وحدها للقول إن أغلبية مغاربة العالم لا يعرفون المجلس، لأن ذلك يحتاج إلى دراسة ميدانية مستقلة.
لكن الأخطر أن المؤسسة نفسها، بعد قرابة عقدين من الوجود، لا تنشر استطلاعاً دورياً يقيس نسبة معرفة الجالية بها، ومستوى ثقتها فيها، وعدد الملفات التي توصلت بها، وكيف عالجتها، والنتائج التي حققتها.
كيف يمكن لمجلس يحمل اسم الجالية أن يعجز عن تقديم رقم يوضح كم فرداً من الجالية يعرفه أصلاً؟
هذا الغياب يصبح أكثر خطورة مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، فالفصل 17 من الدستور لا يترك مجالاً للغموض: المغاربة المقيمون في الخارج يتمتعون بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح، ويمكنهم تقديم ترشيحاتهم للانتخابات المحلية والجهوية والوطنية، على أن يحدد القانون شروط وكيفيات الممارسة الفعلية لهذه الحقوق انطلاقاً من بلدان الإقامة.
لكن بعد 15 سنة من إقرار الدستور، ما زال المغربي المقيم في نيويورك أو مونتريال أو باريس أو مدريد أو بروكسيل أو أمستردام غير قادر على التوجه يوم الاقتراع إلى مكتب تصويت مغربي داخل بلد إقامته لاختيار ممثليه مباشرة.
المشاركة العملية في الانتخابات التشريعية تظل مرتبطة إما بالعودة إلى المغرب يوم الاقتراع، وإما بالتصويت بواسطة الوكالة.
والوكالة قد تكون آلية قانونية، لكنها لا تعوض التصويت الشخصي المباشر، ولا تحقق المساواة العملية بين المواطن الموجود داخل المغرب والمواطن المقيم على بعد آلاف الكيلومترات.
المغربي في الخارج لا يطلب امتيازاً سياسياً، إنه يسأل عن حق دستوري مضى على التنصيص عليه أكثر من عقد ونصف.
هنا تطرح الجالية سؤالاً أكثر إحراجاً: أين مجلسها من هذا النقاش؟
المفارقة القاصمة أن مجلس الجالية يتوفر، منذ تأسيسه، على مجموعة عمل تحمل اسم «المواطنة والمشاركة السياسية». أي إن الملف ليس خارج اختصاصه، ولا يمكن تقديمه باعتباره موضوعاً حزبياً لا يعني المؤسسة. إنه واحد من صميم الأسباب التي أنشئ المجلس من أجلها.
كان يفترض أن ينتج المجلس رأياً استشارياً مفصلاً حول كيفية تمكين مغاربة العالم من التصويت والترشيح انطلاقاً من بلدان الإقامة، وأن يقارن بين التصويت داخل القنصليات، والتصويت البريدي، والتصويت الإلكتروني، وإحداث دوائر تشريعية خاصة بالجالية، مع تحديد الضمانات القانونية والتقنية لكل اختيار.
وكان يفترض أن يستمع إلى الجالية والأحزاب والخبراء والسلطات الانتخابية، ثم يقدم اقتراحاً واضحاً إلى الدولة والبرلمان. أما أن تمر انتخابات بعد أخرى، ويبقى ملايين المغاربة بين كلفة تذكرة السفر وتعقيدات الوكالة، فذلك يضع المجلس أمام سؤال وجودي: إذا لم يبد رأيه في أكبر حق سياسي للجالية، ففي أي قضية سيبدي رأيه؟
ليس مطلوباً من المجلس أن يقرر النظام الانتخابي، فهذا اختصاص المشرع. وليس مطلوباً منه أن ينحاز إلى حزب أو مرشح.
المطلوب أن يقوم بوظيفته الدستورية: إنتاج الرأي، وتقييم السياسات، ونقل مطالب الجالية، واقتراح الصيغ التي تحول المواطنة من نص جميل إلى ممارسة فعلية.
لكن الجالية لا تجد في واجهة الموقع الرسمي رأياً استشارياً شاملاً ومحدثاً يشرح موقف المجلس من انتخابات 2026، ولا خريطة طريق لتنزيل الفصل 17، ولا تقييماً لتجربة التصويت بالوكالة، ولا جواباً عن سبب استمرار غياب مكاتب التصويت في بلدان الإقامة.
المؤسسة التي تنشر أخبار حصول المغاربة على الجنسيات الأجنبية، وتحتفي بتحويلاتهم المالية وبنجاحاتهم الثقافية، يفترض أن تنشغل أيضاً بحقهم في اختيار من يشرع باسمهم داخل وطنهم.
لا يمكن مطالبة مغاربة العالم بتحويل أكثر من 120 مليار درهم سنوياً إلى المغرب، والاحتفاء بهم باعتبارهم رافعة للعملة الصعبة والاستثمار، ثم التعامل مع حقهم السياسي بمنطق: أرسلوا الأموال من الخارج، وعودوا إلى الداخل إذا أردتم التصويت.
هذه هي الضربة الأقوى في حصيلة المجلس: أنه لم يعجز فقط عن التعريف بنفسه لدى فئات من الجالية، بل ظل عاجزاً عن تحويل أحد أوضح الحقوق الواردة في الدستور إلى رأي مؤسساتي منشور، وضاغط، ومسنود بالدراسات والحلول.
وعندما يُسأل بوصوف عن الحصيلة، يقدم أكثر من 200 كتاب ودراسة ومنتدى.
لكن الكتاب لا يعوض صندوق الاقتراع، والمعرض لا يعوض حق الترشيح، والملتقى لا يعوض تمثيلية سياسية حقيقية لملايين المواطنين.
أما السؤال عما إذا كان المجلس «واجهة لأجهزة خاصة»، فلا توجد وثيقة علنية موثوقة أو حكم قضائي يسمح بتحويل هذا الاشتباه إلى حقيقة صحفية.
وجود وزارات الداخلية والخارجية والعدل ضمن الأعضاء الملاحظين منصوص عليه في التركيبة الأصلية للمجلس، ولا يثبت وحده أي علاقة سرية أو أمنية.
لكن غياب الدليل على هذه الفرضية لا يعفي المجلس من مسؤولية إنتاج الثقة، المؤسسات الغامضة تفتح الباب للتأويل، والمؤسسات الشفافة تغلقه بالوثائق. حين لا تنشر الآراء والمحاضر والميزانيات المفصلة ومؤشرات الأثر، وحين تستمر الوجوه نفسها سنوات طويلة، يصبح المواطن فريسة طبيعية للشك.
المشكلة ليست أن المجلس يشتغل سراً لمصلحة جهة خاصة، فهذا ادعاء يحتاج إلى دليل غير متوفر، المشكلة المثبتة أمام الرأي العام هي أن المجلس لا يقدم بما يكفي دليلاً علنياً ومقنعاً على أنه يشتغل بفعالية لمصلحة الجالية.
بعد نحو 18 سنة وميزانية معلنة تبلغ 49 مليون درهم سنوياً، لا يكفي أن يخبر المسؤولون الجالية بما أصدروه من مؤلفات.
عليهم أن يفسروا لماذا ما زالت أسر في أمريكا وأوروبا لا تعرف بوجود المجلس، ولماذا لا يجد المواطن المقيم بالخارج مكتباً يصوت فيه مباشرة، ولماذا لم يتحول ملف المشاركة السياسية إلى معركة استشارية كبرى داخل المؤسسة التي تحمل اسم الجالية.
مجلس لا تعرفه أسر يفترض أنه يمثلها، ولا يُسمع صوته عند وفاة مغربي خلال تدخل أمني، ولا يقود النقاش حول حق الجالية في التصويت والترشيح، يخاطر بأن يصبح عنواناً بلا تمثيلية، وميزانية بلا أثر، ومؤسسة دستورية تراقب الجالية من بعيد بدل أن تحمل صوتها.
بعد عشرات المليارات من السنتيمات، لم يعد السؤال: كم كتاباً طبع المجلس؟
السؤال القاتل هو: ماذا بقي من دور مجلس الجالية إذا كانت الجالية لا تعرفه، ولا تنتخبه، ولا تجد صوته عندما تُمس حقوقها أو تُغلق أمامها صناديق الاقتراع؟
