اعتبر رشيد آيت بلعربي، المحامي بهيئة القنيطرة، أن التحركات الاحتجاجية التي يخوضها المحامون والمحاميات في المغرب لا تندرج ضمن خلاف مهني محدود بشأن بعض مقتضيات مشروع قانون المحاماة، بل تمثل، بحسب تعبيره، «دفاعاً شرعياً» عن استقلال المهنة وحصانة الدفاع وحقوق المتقاضين.
وقال آيت بلعربي، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، إن الجسم المهني يوجد أمام ما وصفه بـ«اعتداء تشريعي وشيك»، معتبراً أن التوجه السياسي الذي يقف وراء المشروع يسعى إلى نزع استقلالية المحاماة وإضعاف الضمانات المرتبطة بممارسة حق الدفاع.
وكتب المحامي: «المحامون والمحاميات المغاربة في حالة دفاع شرعي عن أنفسهم وعن مهنتهم وعن المتقاضين، لصد اعتداء تشريعي وشيك يقوده توجه سياسي داخل الدولة، غرضه نزع استقلالية المحاماة وحصانة الدفاع».
ويضع هذا الموقف مشروع قانون المحاماة داخل نقاش يتجاوز التنظيم الداخلي للمهنة وتوزيع الاختصاصات بين مؤسساتها، ليرتبط بمكانة الدفاع داخل منظومة العدالة، وبمدى قدرة المحامي على أداء رسالته باستقلال عن السلطة التنفيذية والإدارة ومختلف مراكز التأثير والنفوذ.
فاستقلال المحاماة، وفق المنظور الذي عبر عنه آيت بلعربي، لا يمثل امتيازاً مهنياً لفائدة المحامين، وإنما يشكل ضمانة أساسية للمتقاضي، خصوصاً في القضايا التي تكون فيها الدولة أو إحدى مؤسساتها طرفاً، أو حين يجد المواطن نفسه في مواجهة جهات تتمتع بنفوذ مالي أو إداري واسع.
وربط المحامي بهيئة القنيطرة مشروع قانون المهنة بسلسلة من الاختيارات التشريعية التي أثارت، خلال السنوات الأخيرة، نقاشاً سياسياً وحقوقياً واسعاً، بدءاً من سحب المقتضيات المتعلقة بالإثراء غير المشروع، مروراً بقانوني المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية، ثم القانون التنظيمي المتعلق بممارسة حق الإضراب.
وقال في هذا الصدد: «إنه نفس التوجه الذي انطلق بسحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع، ثم جاءنا بمسطرة مدنية طبقية، ومسطرة جنائية محصنة للفساد، وقانون للإضراب مكبل للطبقة العاملة، والآن يريد أن يكمل المهمة بالمحاماة».
ويعكس هذا الربط قراءة سياسية تعتبر أن مشروع قانون المحاماة ليس نصاً معزولاً، بل حلقة ضمن مسار تشريعي يرى آيت بلعربي أنه يعيد ترتيب موازين القوة داخل المجتمع، ويقلص قدرة الهيئات المهنية والنقابية والحقوقية على الاعتراض والمساءلة والدفاع عن الحقوق والحريات.
ووصف آيت بلعربي هذا المسار بأنه يخدم «مصالح البورجوازية والرأسمالية المتوحشة في البلاد»، موجهاً بذلك اتهاماً سياسياً مباشراً إلى توجه يعتبره منحازاً إلى الفئات الاقتصادية النافذة على حساب الضمانات الاجتماعية والحقوقية.
وتظل هذه التوصيفات معبرة عن موقف صاحب التدوينة وقراءته السياسية للنصوص المذكورة، غير أنها تكشف حجم الاحتقان الذي بلغه الخلاف حول مشروع قانون المحاماة، بعدما انتقل النقاش من الاعتراض على مواد ومقتضيات محددة إلى التشكيك في الخلفية العامة التي تؤطر الإصلاح التشريعي للمهنة.
ويتمحور جانب أساسي من هذا الخلاف حول استقلال المحاماة وحصانة الدفاع، باعتبارهما من الضمانات الضرورية التي تسمح للمحامي بالترافع وتقديم الدفوع والاعتراض على الإجراءات دون خوف من الضغط أو التضييق، مع بقائه خاضعاً للقانون وللقواعد المهنية والأخلاقية المنظمة للمهنة.
ومن هذا المنطلق، يرى آيت بلعربي أن أي مساس باستقلال المحامي لن تتوقف آثاره عند حدود الهيئات المهنية، بل ستنعكس مباشرة على المتقاضي، لأن فعالية الحق في الدفاع ترتبط بوجود محام قادر على أداء مهامه بحرية، ومواجهة الإدارة والنيابة العامة والخصوم ذوي النفوذ ضمن شروط تضمن التوازن بين أطراف المحاكمة.
وتأتي تدوينة آيت بلعربي في سياق تصاعد المواجهة بين جمعية هيئات المحامين بالمغرب والحكومة بشأن مشروع قانون المهنة، وسط استمرار التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، وتعليق العمل بنظام المساعدة القضائية تعييناً وأداءً، رغم إحالة المشروع على المحكمة الدستورية.
ويؤكد خطاب المحامي بهيئة القنيطرة أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بصياغة بعض المواد القانونية أو بتحديد اختصاصات الهيئات المهنية، بل تحولت إلى أزمة ثقة في توجه الإصلاح برمته، وفي مدى استعداده لحماية استقلال الدفاع باعتباره ركناً أساسياً من أركان المحاكمة العادلة.
وبين تأكيد الحكومة أن المشروع يرمي إلى تحديث مهنة المحاماة وتأهيل إطارها القانوني، وتحذير المحامين من مقتضيات يعتبرونها مهددة لاستقلاليتهم، يتجه الجدل إلى سؤال أكثر عمقاً: هل سيعزز القانون الجديد موقع الدفاع داخل منظومة العدالة، أم سيخضعه لقيود تقلص قدرته على مواجهة السلطة والنفوذ؟
بالنسبة إلى آيت بلعربي، الجواب واضح؛ فما يخوضه المحامون اليوم ليس دفاعاً عن امتيازات فئوية، بل مواجهة تشريعية لحماية استقلال المهنة وصون حصانة الدفاع، ومنع انتقال آثار الإصلاح إلى المواطن وحقه في دفاع فعال ومحاكمة عادلة.
