بقلم: الباز عبدالإله
حذرت شركة Lazard، المتخصصة عالمياً في الاستشارات المالية وإعادة هيكلة الديون السيادية، من أن عدداً من الاقتصادات الصاعدة والدول النامية يتجه نحو استعمال أدوات تمويل أكثر تعقيداً وكلفة، في سياق دولي مطبوع بارتفاع كلفة الاقتراض وتراجع شهية المستثمرين للمخاطر.
التحذير، الوارد في ورقة منشورة يوم 11 يونيو 2026، لا يركز فقط على حجم الديون، بل على طبيعتها وشروطها ودرجة وضوحها. فالقروض المضمونة بأصول، والسندات المرتبطة بالنمو أو الصادرات، وبعض العقود المالية المركبة، قد تمنح الحكومات هامشاً تمويلياً سريعاً، لكنها قد تجعل الالتزامات الفعلية أقل وضوحاً وأكثر صعوبة في التتبع عند الأزمات أو إعادة الهيكلة.
ورغم أن الورقة لا تتحدث عن المغرب مباشرة، فإن توقيتها يفتح نقاشاً مهماً بالنسبة للمملكة، التي تستعد لتمويل أوراش واسعة في البنية التحتية، والطاقة، والنقل، والصناعة، والمشاريع المرتبطة بأفق 2030. فالسؤال لم يعد محصوراً في قدرة الدولة على تعبئة التمويل، بل في كيفية ضمان أن يكون هذا التمويل واضح الكلفة، معروف الشروط، وقابلاً للمراقبة العمومية.
هذا التحذير لا يعني أن كل تمويل معقد خطر في ذاته، ولا أن كل دولة تلجأ إلى أدوات مالية جديدة توجد بالضرورة على حافة أزمة. لكنه يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: ماذا يحدث حين تصبح الديون أقل وضوحاً، وأكثر صعوبة في المراقبة، وأشد تعقيداً عند الحاجة إلى إعادة الهيكلة؟
هنا تكمن خطورة الموضوع. فالدين الواضح يمكن قياسه ومناقشته ومراقبة كلفته. أما الدين الغامض أو المركب، فقد يتحول إلى عبء مؤجل لا تظهر كلفته الحقيقية إلا عند أول صدمة كبرى، حين ترتفع أسعار الفائدة، أو تتراجع المداخيل، أو تضطر الدولة إلى التفاوض مع الدائنين والمؤسسات الدولية.
بحسب ما نقلته وكالة رويترز عن Lazard، فإن توسع هذه الأدوات المعقدة منذ سنة 2020 جاء في سياق تراجع المساعدات، وارتفاع كلفة الاقتراض، وتزايد حذر المستثمرين بسبب الأزمات العالمية المتتالية. غير أن ما يبدو في البداية حلاً تمويلياً مرناً قد يتحول لاحقاً إلى مصدر ارتباك، خصوصاً عندما لا تكون شروط الدين واضحة بما يكفي للأسواق أو للرأي العام أو حتى لباقي الدائنين.
وليست Lazard وحدها من تثير هذا النقاش. فالبنك الدولي دعا، في تقريره حول “الشفافية الجذرية” في الديون، إلى انتقال حقيقي من ممارسات غالباً ما تكون غير واضحة إلى إفصاح كامل وفي الوقت المناسب، مع توسيع نطاق الإبلاغ عن الديون غير التقليدية، وتعزيز الرقابة، ونشر بيانات أكثر تفصيلاً على مستوى القروض.
المعنى واضح: الثقة لم تعد تُبنى فقط على قدرة الدولة على الاقتراض، بل على قدرتها على كشف ما اقترضته، وكيف اقترضته، وبأي شروط.
صندوق النقد الدولي كان قد أكد، في مارس 2026، أن الاقتصاد المغربي أظهر قدرة على الصمود، وأن النمو يظل مدعوماً بالاستثمار في البنية التحتية، مع توقع استمرار زخم الاستثمار العمومي والخاص.
كما أشار إلى أن العجز المالي بلغ 3.5 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2025، وأن مسار المالية العمومية يفترض تراجع نسبة الدين إلى الناتج الداخلي الخام تدريجياً في أفق 2031.
هذه المعطيات لا تضع المغرب في خانة الخطر، لكنها تجعل سؤال الشفافية أكثر إلحاحاً.
فالدولة التي تمول مشاريع كبرى تحتاج إلى ثقة الأسواق، وثقة المؤسسات الدولية، وثقة المواطن أيضاً، والثقة لا تُبنى فقط على الأرقام الكبرى، بل على وضوح التفاصيل: من يقترض؟ بأي ضمانات؟ بأي آجال؟ وبأي كلفة مباشرة أو مؤجلة؟
ليست المشكلة في الاقتراض حين يكون موجهاً إلى الاستثمار المنتج.
الدول الصاعدة تقترض لبناء الطرق، والموانئ، والسكك الحديدية، ومحطات الطاقة، والمناطق الصناعية.
المشكلة تبدأ عندما تتراكم الالتزامات خارج نقاش عمومي واضح، أو عندما تصبح الصيغ المالية أكثر تعقيداً من قدرة المؤسسات على شرحها ومراقبتها.
تجارب عدد من الدول النامية أظهرت أن فقدان الثقة قد يكون أكثر كلفة من الدين نفسه.
دولة يمكن أن تتحمل ديناً مرتفعاً إذا كانت مؤسساتها واضحة، وبياناتها دقيقة، وتدبيرها قابلاً للتوقع.
ودولة أخرى قد تدخل منطقة الخطر بدين أقل، إذا شعر المستثمرون أن الأرقام لا تقول الحقيقة كاملة.
لهذا، فإن الدرس الأهم من تحذيرات Lazard والبنك الدولي لا يتعلق فقط بالدول التي دخلت أزمات ديون، بل بكل الدول الصاعدة التي تراهن على تمويل مشاريع كبرى في عالم شديد التقلب.
فكلما زادت الحاجة إلى التمويل، زادت أهمية الوضوح. وكلما تعقدت أدوات الاقتراض، أصبح دور المؤسسات الرقابية والبرلمان والرأي العام الاقتصادي أكثر حساسية.
بالنسبة للمغرب، لا ينبغي قراءة هذا النقاش بمنطق التخويف، بل بمنطق الوقاية.
البلد يملك هامشاً مهماً بفضل استقراره المالي، وعلاقاته الجيدة مع المؤسسات الدولية، وقدرته على الوصول إلى التمويل الخارجي.
لكن الحفاظ على هذه الأفضلية يمر عبر قاعدة بسيطة: كل درهم مقترض يجب أن يكون واضح المصدر، واضح الكلفة، واضح الغاية.
في زمن المشاريع الكبرى، لم تعد الشفافية المالية ترفاً تقنياً، إنها جزء من الأمن الاقتصادي للدولة، لأن الأسواق لا تمول الحجر والإسمنت فقط، بل تمول الثقة.
وحين تصبح الثقة موضع شك، ترتفع الكلفة، وتضيق الخيارات، وتتحول الأرقام الصامتة إلى أسئلة سياسية ثقيلة.
الأخطر في الديون الجديدة ليس أن تكون كبيرة، بل أن تكون غير مفهومة، والأقوى في الدول ليس فقط أن تقترض، بل أن تقنع مواطنيها ومموليها بأنها تعرف تماماً ماذا تفعل، ولماذا تفعل، وكم سيكلف ذلك اليوم وغداً.
