بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد مشروع قانون مهنة المحاماة مجرد نص تنظيمي يمر عبر البرلمان، بل تحول إلى اختبار حقيقي لفلسفة العدالة في المغرب: هل تبقى مهنة الدفاع محكومة بوحدة الشروط وتكافؤ الفرص، أم تصبح قابلة للولوج عبر مسالك خاصة تصنعها التوافقات داخل المؤسسة التشريعية؟
آخر فصول هذا الجدل جاء من بوابة موظفي كتابة الضبط، بعدما كشف وزير العدل عبد اللطيف وهبي، في تصريح لجريدة “العمق”، عن وجود نقاش داخل مجلس المستشارين حول إمكانية تمكين هذه الفئة من الولوج إلى مهنة المحاماة دون اجتياز مباراة الولوج، وفق شروط مهنية وأكاديمية ما تزال قيد التداول.
ظاهرياً، يبدو المقترح دفاعاً عن خبرة راكمها موظفو كتابة الضبط داخل المحاكم، وهي خبرة لا يمكن إنكار أهميتها داخل مرفق العدالة.
لكن جوهر النقاش لا يتعلق بتبخيس هذه الفئة، ولا بإنكار دورها، بل بسؤال أكبر وأخطر: هل يمكن تحويل الخبرة الإدارية داخل المحكمة إلى جواز عبور نحو مهنة الدفاع؟
هنا بالضبط تبدأ حساسية الملف. فالمحاماة ليست امتداداً طبيعياً لأي وظيفة داخل المحكمة، وليست مجرد انتقال مهني من إدارة الملفات إلى الدفاع عنها.
إنها مهنة مستقلة، تقوم على موقع خاص داخل منظومة العدالة، وعلى علاقة مباشرة بالحقوق والحريات وضمانات المحاكمة العادلة.
من هذه الزاوية، يبدو موقف المحامين مفهوماً. فالجسم المهني الذي ظل يعبر عن تحفظاته على عدد من مقتضيات مشروع القانون الجديد يجد نفسه اليوم أمام مقترح جديد قد يفتح باب الاستثناء في وجه مهنة يفترض أن يكون الولوج إليها خاضعاً لقواعد موحدة، واضحة، ومعلنة للجميع.
وبحسب ما صرح به وزير العدل، فإن الحكومة لا ترى مانعاً في التفاعل الإيجابي مع المقترح إذا حظي بالتوافق داخل البرلمان. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يكفي التوافق البرلماني لتغيير فلسفة الولوج إلى مهنة الدفاع؟ وهل يمكن أن تتحول الأغلبية التشريعية إلى آلية لإعادة رسم حدود مهنة المحاماة دون إنصات كاف لأهلها ومؤسساتها المهنية؟
ليست المشكلة في موظفي كتابة الضبط، بل في منطق الاستثناء نفسه. فكلما فتح باب خاص لفئة معينة، عاد السؤال ذاته: ماذا سيبقى من مبدأ تكافؤ الفرص؟ وماذا سيقال لخريجي القانون الذين ينتظرون مباراة واضحة وشفافة؟ وما مصير وحدة الشروط إذا أصبحت كل فئة تمتلك مبرراتها وخبرتها ومسارها الخاص نحو “البذلة السوداء”؟
الصيغ المطروحة للنقاش، بحسب المعطيات المتداولة، تشمل إمكانية إخضاع المستفيدين لاختبار للكفاءة المهنية، أو ربط الولوج بالأقدمية في مهام كتابة الضبط، أو بالمسار الإداري والترقي المهني، أو بالحصول على شهادة الدكتوراه، مع الحديث عن مدة خبرة قد تتراوح بين عشر وخمس عشرة سنة داخل المحاكم.
لكن حتى هذه الشروط، رغم أهميتها، لا تلغي جوهر الإشكال. فاختبار الكفاءة لا يعوض بالضرورة مباراة الولوج، والأقدمية الإدارية لا تعني تلقائياً الجاهزية لممارسة الدفاع، والمعرفة بالمساطر من داخل المحكمة لا تكفي وحدها لفهم موقع المحامي باعتباره طرفاً مستقلاً لا موظفاً في ماكينة القضاء.
المحامون، في هذا النقاش، لا يدافعون فقط عن “مهنة مغلقة” كما قد يحاول البعض تصوير الأمر، بل يدافعون عن قاعدة مبدئية: مهنة الدفاع يجب أن تظل محكومة بمعايير موحدة، لا بمنطق الامتيازات المتفرقة.
فاستقلالية المحاماة لا تبدأ داخل الجلسة فقط، بل تبدأ من طريقة الولوج إليها، ومن وضوح شروط الانتماء إليها.
ما يزيد من قوة هذا التخوف أن النقاش يأتي بعد جدل سابق حول مسالك استثنائية أخرى للولوج إلى المحاماة، من بينها ما ارتبط بالأساتذة الجامعيين.
ومع كل استثناء جديد، يتسع السؤال: هل نحن أمام إصلاح منظم للمهنة، أم أمام تفكيك تدريجي لوحدة شروط الولوج إليها؟
وإذا كان من حق موظفي كتابة الضبط المطالبة بتثمين تجربتهم المهنية، فمن حق المحامين أيضاً أن يرفضوا تحويل مهنتهم إلى وجهة نهائية لمسارات مهنية متعددة دون المرور من نفس القاعدة التي يخضع لها باقي المترشحين.
فالإنصاف لا يتحقق بخلق استثناء جديد، بل بإرساء شروط عادلة وموحدة أمام الجميع.
وبحسب ما أوردته جريدة “العمق”، أحدثت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين لجنة فرعية لدراسة التعديلات المقترحة على مشروع قانون مهنة المحاماة، بحثاً عن صيغة توافقية بين الفرق البرلمانية والحكومة وباقي الجهات المعنية.
غير أن التوافق الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط بين الحكومة والفرق البرلمانية.
فمهنة المحاماة لها مؤسساتها، وهيئاتها، وتاريخها، وحساسيتها داخل منظومة العدالة.
وأي تعديل يمس شروط الولوج إليها دون أخذ هواجس الجسم المهني بجدية قد يزيد من تعميق الهوة بين وزارة العدل والمحامين.
الأمر لا يتعلق برفض الإصلاح، ولا بمعارضة تطوير المهنة، بل برفض أن يتحول الإصلاح إلى مسار فوقي يقرر في مصير المحاماة دون اقتناع واسع من داخلها.
فالمهنة التي يفترض أن تدافع عن استقلالية القضاء وحقوق المتقاضين تحتاج بدورها إلى حماية استقلاليتها من منطق التوسيع غير المحسوب.
كما أن مشروع قانون المحاماة لا يتوقف عند نقطة ولوج كتابة الضبط فقط، بل يمتد إلى ملفات أخرى شديدة الحساسية، من بينها وضعية المجلس الوطني لهيئات المحامين، واختصاصات النقباء، والعلاقة بين المحامين والنيابة العامة، وقواعد التأديب والمساطر المهنية.
وهذه كلها ملفات تجعل المشروع أكبر من تعديل تقني، وأقرب إلى إعادة ترتيب علاقة الدولة بمهنة الدفاع.
لذلك، فإن سؤال كتابة الضبط ليس سوى واجهة لمعركة أعمق: هل تريد وزارة العدل إصلاح المحاماة بالشراكة مع المحامين، أم إعادة تشكيل المهنة بمنطق تشريعي يغلب عليه التوافق السياسي أكثر من التوافق المهني؟
في النهاية، لا أحد ينكر موقع كتابة الضبط داخل المحاكم، ولا أهمية تجربتها في حسن سير العدالة.
لكن الاعتراف بهذه الخبرة لا ينبغي أن يكون على حساب وحدة شروط الولوج إلى مهنة المحاماة، ولا على حساب مبدأ تكافؤ الفرص بين آلاف خريجي القانون.
فالمحاماة ليست ممراً إدارياً، وليست جائزة نهاية مسار وظيفي، وليست بذلة سوداء تمنحها التوافقات.
إنها مهنة دفاع، وموقع مستقل، وضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة.
ولذلك، فإن فتح أبوابها عبر الاستثناء لا يحتاج فقط إلى تعديل برلماني، بل إلى جواب واضح عن سؤال أبسط وأثقل: من يحمي مهنة الدفاع حين يصبح الاستثناء طريقاً إلى قلبها؟
