بينما كانت أسر مغربية تبحث عن أبنائها الذين انقطعت أخبارهم عقب موجة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة، غادر رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، المغرب في اتجاه جزيرة مايوركا الإسبانية لقضاء عطلته الصيفية، وفق معطيات نشرها موقع «نيشان».
وبحسب المصدر ذاته، غادر أخنوش البلاد مباشرة بعد مشاركته في مراسم حفل الولاء، على متن طائرة خاصة، مرفوقاً بعدد من أفراد أسرته وبعض أصدقائه المقربين، متجهاً إلى واحدة من أشهر الوجهات السياحية في إسبانيا.
ولم تصدر رئاسة الحكومة، إلى حدود صباح الأحد 2 غشت 2026، أي توضيحات تؤكد أو تنفي تفاصيل الرحلة، كما لم يتسنَّ التحقق منها من مصدر مستقل، غير أن توقيتها يضع رئيس الجهاز التنفيذي أمام سؤال سياسي ثقيل: هل يكون السفر لقضاء العطلة أولوية، بينما تبحث أسر عن أبنائها وتتواصل تداعيات أزمة حدودية وإنسانية غير مسبوقة؟
المسألة لا تتعلق بحق أخنوش في الراحة أو السفر، وإنما بصورة رئيس حكومة يغادر البلاد في اللحظة التي كان يُنتظر فيها أن يظهر أمام المغاربة، وأن يشرح ما الذي دفع أعداداً كبيرة من الشباب والقاصرين إلى المخاطرة بأجسادهم في البحر، ومن يتحمل مسؤولية تحول الحدود إلى مسرح لمشاهد الهروب الجماعي.
وتتواصل نداءات أسر فقدت الاتصال بأبنائها عقب محاولات العبور سباحة نحو سبتة، في ظل غياب حصيلة مغربية رسمية شاملة تحدد أعداد المفقودين والضحايا والمصابين ومجهولي المصير.
ولم يعد الصمت الحكومي موضع انتقاد إعلامي وحقوقي فقط، بعدما طالب حزب التقدم والاشتراكية، المعروف بحزب «الكتاب»، الحكومة بالخروج عن صمتها، وتقديم تفاصيل ما وصفه بفاجعة سبتة، والكشف عن حيثياتها وسبل معالجة تداعياتها.
وربط الحزب ما وقع بمحدودية النموذج التنموي وسوء توزيع الخيرات اجتماعياً ومجالياً، مسجلاً ما وصفه بالفشل الذريع للسياسة الحكومية في التشغيل والتعليم ومحاربة الهدر المدرسي، قبل أن يتهم حكومة أخنوش بالانتصار للوبيات والأوليغارشيات على حساب عموم الشعب.
وبينما كان «الكتاب» يطالب الحكومة بتحمل مسؤوليتها السياسية والتواصل مع المغاربة، كانت المعطيات المنشورة تتحدث عن مغادرة رئيس الحكومة نفسه نحو مايوركا، في مفارقة تختصر جانباً كبيراً من الأزمة: المعارضة تبحث عمن يشرح للمواطنين ما وقع، ورئيس الجهاز التنفيذي يتجه إلى جزيرة سياحية لقضاء عطلته.
فأزمة سبتة لم تعد مجرد محاولات فردية للهجرة غير النظامية، بل تحولت إلى قضية سياسية وأمنية وإنسانية ذات أبعاد أوروبية، دفعت السلطات الإسبانية إلى تعبئة أجهزتها وعقد اجتماعات لتدبير الوضع على الحدود.
وانتقل رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، يوم الجمعة 31 يوليوز 2026، إلى سبتة، حيث عقد اجتماعاً تنسيقياً وأعلن تعبئة موارد الدولة الإسبانية لمواجهة الأزمة، بينما ظل رئيس الحكومة المغربية بعيداً عن الواجهة، دون تصريح أو ندوة صحفية أو كلمة موجهة إلى المواطنين.
ولم تقدم حكومة أخنوش حصيلة رسمية شاملة بشأن عدد المغاربة الذين حاولوا العبور، أو عدد القاصرين والمفقودين والضحايا، كما لم توضح الظروف التي سبقت انفجار الوضع على الحدود وتحوله إلى مشهد تداولته وسائل الإعلام عبر العالم.
وبينما كانت أمهات وآباء يبحثون عن معلومة تطمئنهم إلى مصير أبنائهم، وتتداول وسائل الإعلام صور الشباب والقاصرين داخل البحر وعلى شواطئ سبتة، كان رئيس الحكومة، وفق ما نشره «نيشان»، في طريقه إلى مايوركا على متن طائرة خاصة.
إنها مفارقة سياسية وإنسانية يصعب على أخنوش وحكومته تجاهلها: شباب مغاربة يعبرون البحر سباحة بحثاً عن مستقبل خارج بلدهم، ورئيس حكومتهم يعبره جواً لقضاء عطلته داخل إسبانيا التي تستقبل هؤلاء الشباب على حدودها.
ولا يمكن اختزال المسؤولية الحكومية في المقاربة الأمنية أو في تدخلات القوات العمومية، لأن المشاهد التي خرجت من الفنيدق وسبتة وضعت الحصيلة الاجتماعية والاقتصادية لحكومة أخنوش برمتها أمام امتحان قاسٍ.
ماذا قدمت الحكومة للشباب الذين اختاروا البحر؟ ماذا بقي من وعود التشغيل والدولة الاجتماعية وتحسين الدخل؟ وكيف يمكن لأخنوش أن يطلب من المغاربة تجديد الثقة في حصيلته، بينما أظهرت مشاهد سبتة أن أعداداً من المواطنين لم تعد تثق حتى في إمكانية بناء مستقبلها داخل المغرب؟
كان بإمكان رئيس الحكومة أن يؤجل عطلته، أو أن يظهر أمام المواطنين لتقديم التوضيحات، أو أن يعلن عن اجتماع حكومي لتقييم ما وقع وتحديد المسؤوليات، لكن المعطيات المنشورة تقدم صورة مغايرة: صمت رسمي في الرباط، ورحلة نحو مايوركا، ومدريد تتولى مخاطبة الرأي العام بشأن الأزمة.
السفر إلى مايوركا ليس جريمة، لكن مغادرة رئيس الحكومة بالتزامن مع أزمة وطنية، واستمرار غياب التواصل الرسمي مع المغاربة، يضعان طريقة تدبير المسؤولية داخل حكومته أمام سؤال محرج: لماذا يحضر أخنوش في المراسم الرسمية ويغيب عندما تبدأ الأسئلة الصعبة؟
وإلى أن تخرج رئاسة الحكومة لتأكيد خبر الرحلة أو نفيه، سيبقى السؤال مطروحاً بقوة: عندما كانت الأسر تبحث عن أبنائها، وكان حزب «الكتاب» يطالب الحكومة بالخروج من صمتها، أين كان رئيس الحكومة، ومن كان يدبّر البلاد؟
