بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد مأساة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة قضية محصورة في النقاش السياسي المغربي والإسباني، بعدما انتقلت صور الجثامين والأسر الباحثة عن أبنائها إلى واجهة صحف ووكالات دولية كبرى، بينما لا تزال الحكومة المغربية ملتزمة الصمت بشأن عدد الضحايا والمفقودين وظروف انهيار المراقبة على الحدود.
خصصت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، اليوم الأحد 2 غشت 2026، تقريراً للأسر المغربية التي تحاول معرفة مصير أبنائها عقب موجة العبور غير المسبوقة، تحت عنوان يشير إلى أن المغرب بدأ يحصي قتلاه ومفقوديه بعد السباحة الجماعية نحو سبتة.
ورصد التقرير البريطاني مشاهد آباء وأمهات وأقارب يحملون صور أبنائهم ويتنقلون قرب المنطقة الحدودية بحثاً عن معلومة، في وقت تحدث فيه ناجون عن وجود قاصرين وشباب لا يتقنون السباحة وسط الحشود التي اندفعت نحو البحر أملاً في الوصول إلى الضفة الإسبانية.
بالتزامن مع ذلك، اختارت صحيفة «إلباييس» الإسبانية عنواناً أكثر صراحة، بعدما كتبت أن المغرب يفرض «قانون الصمت» على مأساة عشرات القتلى في الحدود، مشيرة إلى أن رئاسة الحكومة ووزارتي الداخلية والخارجية لم تقدم، إلى حدود مساء الأحد، حصيلة رسمية أو توضيحاً شاملاً بشأن ما وقع.
وجاء التقرير الإسباني بعد ثلاثة أيام من اندلاع أكبر موجة عبور شهدتها المنطقة، بينما ظلت المعلومات المتعلقة بعدد الوفيات وعمليات الإنقاذ والدخول والعودة تصدر أساساً عن السلطات الإسبانية ووسائل الإعلام الأجنبية، في غياب معطيات رسمية مقابلة من الجانب المغربي.
وارتفعت الحصيلة المعلنة على الجانب الإسباني، اليوم الأحد، إلى ما لا يقل عن 72 وفاة، بعدما عُثر على خمسة جثامين إضافية على طول ساحل سبتة، وفق مسؤولين إسبان تحدثوا إلى وكالة «رويترز».
وأكد مندوب الحكومة الإسبانية في سبتة أن المصالح الصحية عالجت أكثر من ألف شخص منذ بدء الأزمة، فيما أشار رئيس المدينة، خوان خيسوس فيفاس، إلى أن مستودع الأموات استقبل 88 جثماناً، تشمل أيضاً ضحايا محاولات عبور سابقة وقعت خلال الأسبوعين الماضيين.
ولا تشمل حصيلة 72 وفاة سوى الجثامين المسجلة في الجانب الإسباني والمرتبطة بموجة العبور الأخيرة، بينما قال رئيس سبتة، خوان خيسوس فيفاس، في تصريحات نقلتها «رويترز»، إن السلطات المغربية انتشلت بدورها جثامين من البحر، من دون توفر حصيلة رسمية منشورة بشأن عددها أو هويات أصحابها.
وأكدت وكالة «أسوشيتد برس» الحصيلة نفسها، مشيرة إلى أن بعض الضحايا غرقوا، بينما توفي آخرون خلال تدافع قرب الحاجز البحري، في أزمة إنسانية أعادت ملف الهجرة إلى صدارة النقاش الأوروبي.
وتقول السلطات الإسبانية إن أكثر من 50 ألف شخص دخلوا سبتة براً وبحراً منذ الخميس، قبل أن يعود أكثر من 48 ألفاً منهم إلى المغرب خلال 48 ساعة، بينما استمرت فرق الحرس المدني في البحث عن جثامين محتملة داخل المياه المحيطة بالمدينة.
وسط هذه الأرقام، لم تقدم الحكومة المغربية لائحة بأسماء الضحايا أو المفقودين، ولم توضح عدد الجثامين التي جرى انتشالها في المياه المغربية، كما لم يُعلن، إلى حدود مساء الأحد 2 غشت 2026، عن فتح تحقيق رسمي يكشف ظروف وصول عشرات الآلاف إلى المنطقة الحدودية والاختلالات التي سمحت بهذا التدفق.
التصريح الرسمي المغربي الوحيد الذي برز في الصحافة الإسبانية صدر عن سفيرة المغرب في مدريد، كريمة بنيعيش، التي قالت إن ما حدث لم يكن مرغوباً فيه من طرف المملكة ووقع خارج إرادتها، وحملت شبكات الاتجار بالبشر مسؤولية تشجيع عمليات العبور، مؤكدة استمرار التعاون المغربي الإسباني.
غير أن هذا التصريح لم يجب عن الأسئلة التي تطرحها الأسر المغربية اليوم: كم يبلغ العدد الحقيقي للضحايا؟ من هم المفقودون؟ أين توجد الجثامين التي انتُشلت؟ ومن يتحمل مسؤولية وصول شباب وقاصرين إلى البحر في واحدة من أخطر عمليات العبور الجماعي التي عرفتها الحدود؟
وطالب حزب التقدم والاشتراكية الحكومة بكسر صمتها، معتبراً أن المعلومات المتوفرة حول الضحايا والإنقاذ والعبور والعودة تأتي أساساً من الجانب الإسباني، وربط ما وقع بفشل سياسات التشغيل والتعليم وتفاقم التفاوتات الاجتماعية والمجالية.
وبانتقال صور الأسر المكلومة والجثامين المنتشلة من سواحل سبتة إلى صفحات «فايننشال تايمز» و«إلباييس» ووكالتي «رويترز» و«أسوشيتد برس»، لم يعد الصمت الحكومي شأناً داخلياً قابلاً للتجاهل، بل أصبح جزءاً من صورة المغرب أمام الرأي العام الدولي.
السؤال لم يعد فقط كيف تمكن عشرات الآلاف من الوصول إلى الحدود، بل لماذا تُركت الأسر المغربية تبحث عن أبنائها عبر الصور والمنشورات وشهادات الناجين، بينما تأتي حصيلة موتى مغاربة من مدريد ولندن قبل أن تصدر من الرباط؟
