بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن اعتراف وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، بصعوبة حسم إصلاح أنظمة التقاعد خلال الولاية الحكومية الحالية مجرد جواب عابر داخل مجلس المستشارين، بل كان إعلاناً سياسياً ثقيلاً عن عجز الحكومة عن الاقتراب من واحد من أخطر الملفات الاجتماعية والمالية في المغرب.
الملف الذي ظل لسنوات يوصف بأنه “قنبلة موقوتة”، انتهى به المطاف، مرة أخرى، إلى رفوف التأجيل.
وبعد اجتماعات تقنية، ولجان، وتشخيصات، ومواعيد، وتصريحات مطمئنة، وجد المغاربة أنفسهم أمام الخلاصة نفسها: الإصلاح ضروري، لكن ليس الآن.
الأخطر في كلام الوزيرة لا يكمن فقط في تأكيدها أن استدامة صناديق التقاعد لا يمكن أن تتحقق بدون إصلاح، بل في اعترافها الضمني بأن الحكومة الحالية لن تستطيع حسم الملف داخل ما تبقى من ولايتها.
وهنا بالضبط يصبح السؤال سياسياً لا تقنياً: إذا كانت الحكومة تعرف أن الوضعية تضر جميع المغاربة، وأن الصناديق تحتاج إلى إصلاح، وأن التأخير يرفع الكلفة، فلماذا انتظرت كل هذا الوقت قبل أن تعترف بأن الزمن لم يعد كافياً؟
ليس جديداً أن يكون ملف التقاعد معقداً. وليس مفاجئاً أن يكون ثقيلاً على الحكومة والنقابات والمجتمع.
الجديد هو أن تتحول الصعوبة إلى مبرر جاهز لتأجيل القرار. فالحكومات لا تُنتخب لتصف المشاكل فقط، ولا لتشرح للمواطنين حجم التعقيدات، بل لتتحمل كلفة الاختيار، خصوصاً حين يتعلق الأمر بملف يمس الموظفين والأجراء والمتقاعدين، ويهدد التوازنات المالية والاجتماعية في آن واحد.
منذ إطلاق مسار إصلاح التقاعد، قُدمت الوعود بلغة كبيرة: لجنة وطنية، لجنة تقنية، تشاور مع النقابات، تشخيص للصناديق، تصور موحد، حماية للحقوق المكتسبة، وضمان للاستدامة.
لكن بعد كل هذه الهندسة المؤسساتية، لم يصل المغاربة إلى إصلاح، ولا إلى توافق، ولا حتى إلى وضوح نهائي حول السيناريو الذي تريده الحكومة فعلاً.
هنا يظهر التناقض الصارخ، حين يتعلق الأمر بملفات أخرى، تتحرك الحكومة بسرعة، وتجد المخارج، وتدافع عن اختياراتها بقوة، وتستعمل الأغلبية البرلمانية لتمرير ما تريد.
أما حين يصل الأمر إلى التقاعد، حيث الكلفة السياسية عالية، وحيث القرار قد يغضب النقابات والموظفين والأجراء، تصبح اللغة فجأة هادئة، مترددة، ومليئة بعبارات التشاور والتوافق والزمن المجتمعي.
لا أحد يرفض الحوار. ولا أحد يستخف بأهمية التوافق في ملف بهذا الحجم.
لكن الحوار لا يجب أن يتحول إلى غرفة انتظار طويلة تُعلق فيها القرارات الصعبة إلى أن تمر الولاية الحكومية.
والتوافق لا ينبغي أن يصبح اسماً آخر للهروب من الحسم لأن كل شهر ضائع في ملف التقاعد ليس زمناً سياسياً فقط، بل كلفة مالية واجتماعية ستؤدى لاحقاً، غالباً من جيوب نفس الفئات التي يُطلب منها اليوم الصبر.
المفارقة أن الحكومة كانت تتحدث في وقت سابق عن أفق زمني واضح لبلورة سيناريوهات الإصلاح.
واليوم، بعد مرور الأشهر، يبدو أن السيناريو الوحيد الذي تحقق هو سيناريو التأجيل. وهذا ما يضرب في عمق المصداقية الحكومية: أن تفتح ورشاً كبيراً، وتضع له لجاناً ومواعيد، ثم تعود لتقول إن الولاية لم تعد تسعفك.
الأمر لا يتعلق فقط بإصلاح مالي لصناديق تعاني من اختلالات. التقاعد في المغرب هو عقد ثقة بين المواطن والدولة الموظف يقتطع من أجره سنوات طويلة وهو ينتظر أن تحمي الدولة حقه عند نهاية المسار.
والأجير يقبل باقتطاعات اليوم لأنه ينتظر معاش الغد. والمتقاعد يعيش على دخل يفترض أن يكون ثمرة عمر كامل من العمل. لذلك، حين تتعامل الحكومة مع هذا الملف بمنطق التأجيل، فهي لا تؤجل قراراً تقنياً فقط، بل تؤجل جواباً أساسياً حول معنى الأمان الاجتماعي في البلاد.
الأكثر حساسية أن الحكومة تعرف جيداً أن أي إصلاح محتمل سيكون مؤلماً: رفع سن التقاعد، زيادة المساهمات، مراجعة طريقة احتساب المعاشات، أو إعادة هيكلة الأنظمة.
وهذه الخيارات، مهما اختلفت صيغها، لن تكون بلا أثر على المواطن.
لكن الشجاعة السياسية لا تقاس بإخفاء الألم إلى ما بعد الانتخابات، بل بفتح نقاش صريح، ووضع الأرقام أمام المغاربة، وتحديد من سيتحمل الكلفة، وكيف ستُحمى الفئات الهشة والمتوسطة من إصلاح قد يتحول إلى عقوبة جماعية.
في النهاية، لم تقدم الحكومة للمغاربة إصلاحاً، بل قدمت اعترافاً بالعجز ولم تُغلق ملف التقاعد بحل، بل تركته مفتوحاً أمام الحكومة المقبلة، مثقلاً أكثر مما كان، وحساساً أكثر مما كان، ومكلفاً أكثر مما كان.
قد تقول الحكومة إن الملف يحتاج إلى توافق جماعي، وهذا صحيح لكنها لا تستطيع أن تنسى أن القيادة السياسية تبدأ حين تكون الملفات صعبة، لا حين تكون سهلة.
أما أن تُرحّل القنبلة من ولاية إلى أخرى، فذلك لا ينزع فتيلها، بل يجعل انفجارها المقبل أشد كلفة على الدولة والمواطن معاً.
إصلاح التقاعد لم يسقط بسبب غياب اللجان، سقط لأن الحكومة لم تملك، إلى حدود الآن، الجرأة السياسية الكافية لتقول للمغاربة الحقيقة كاملة: من سيؤدي ثمن الإصلاح، ومن سيستفيد من التأجيل؟
