بعد مرور أكثر من تسعة أشهر على توجيه سؤال كتابي إلى وزير الداخلية بشأن المواطنين المتضررين من الاعتقالات التي أعقبت أحداث 16 ماي 2003، ما تزال النائبة البرلمانية ثورية عفيف، عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، تنتظر جواباً تُلزم المقتضيات الدستورية الحكومة بتقديمه داخل أجل لا يتجاوز عشرين يوماً.
السؤال، المسجل رسمياً لدى مجلس النواب تحت رقم 25498 بتاريخ 30 أكتوبر 2025، لم يتلق أي جواب إلى حدود اليوم الاثنين 3 غشت 2026، وفق المعطيات المنشورة في البوابة الرسمية للمجلس، التي ما تزال خانة تاريخ الجواب فيها تحمل عبارة «لا جواب».
الوثيقة البرلمانية المؤرخة في 29 أكتوبر 2025 تضع وزير الداخلية أمام ملف يعود إلى أكثر من 23 سنة، ويتعلق، وفق مضمون السؤال، بمواطنين يقولون إنهم تعرضوا لاعتقالات تعسفية ومحاكمات شابتها خروقات، قبل صدور أحكام قاسية في حق بعضهم، وترتيب آثار إدارية واجتماعية ومهنية ما تزال مستمرة إلى اليوم.
وأوضحت عفيف أن عدداً من المعنيين كانوا موظفين وأساتذة، وفُصلوا من الوظيفة العمومية بناء على الأحكام الصادرة في حقهم، بينما أسس المتضررون «تنسيقية الكرامة واليقظة للعدالة الانتقالية» للمطالبة بتسوية أوضاعهم الإدارية والمالية وجبر الأضرار التي يقولون إنها لحقت بهم.
وسألت النائبة وزير الداخلية عن الإجراءات الاستعجالية التي ستتخذها الوزارة لمعالجة القضية، غير أن السؤال تجاوز الأجل الدستوري المحدد في عشرين يوماً، وظل من دون جواب لأكثر من تسعة أشهر، من دون أن يظهر أي رد رسمي في قاعدة بيانات مجلس النواب.
هنا لا يتعلق الأمر بتأخر إداري بسيط، لأن الفصل 100 من الدستور ينص بوضوح على أن الحكومة تدلي بجوابها خلال العشرين يوماً الموالية لإحالة السؤال إليها، ما يجعل استمرار الصمت لأشهر سؤالاً مباشراً حول احترام الحكومة نفسها للمقتضيات الدستورية المنظمة لعلاقتها بالبرلمان.
الدستور لا يمنح النواب حق السؤال للزينة، بل يجعل مراقبة العمل الحكومي واحدة من الوظائف الأصلية للبرلمان بموجب الفصل 70، ولذلك فإن ترك الأسئلة الحساسة تتراكم من دون أجوبة يحول الرقابة البرلمانية إلى مراسلات مؤجلة تستطيع الحكومة تجاهلها من دون كلفة سياسية ظاهرة.
ويفرض النظام الداخلي لمجلس النواب الإعلان خلال الجلسات عن عدد الأسئلة الكتابية المتوصل بها والمجاب عنها، وتلك التي تجاوزت الآجال القانونية، كما يلزم مكتب المجلس بالتداول، في نهاية كل دورة، بشأن وضعية الأسئلة التي بقيت من دون جواب.
لكن الملف الحالي يطرح سؤالاً أبعد من مجرد الإحصاء: ماذا فعل مكتب مجلس النواب فعلياً لتفعيل المقتضيات الدستورية ومساءلة الحكومة عن تجاوز أجل صريح حدده الدستور في عشرين يوماً؟
إذا كان السؤال الكتابي لم يُنتج أي جواب بعد أكثر من تسعة أشهر من الصمت، فلماذا لم ينتقل أصحابه والفرق النيابية إلى آليات أخرى، من طلب اجتماع لجنة الداخلية إلى طرح سؤال شفهي، أو طلب تناول الكلمة في موضوع عام وطارئ؟
وهل يكفي تسجيل السؤال في البوابة الإلكترونية حتى يُعتبر البرلمان قد أدى واجبه الرقابي، بينما تستمر عبارة «لا جواب» لأشهر من دون أثر سياسي أو مؤسساتي ظاهر؟
وإذا كانت نائبة واحدة قد وضعت القضية رسمياً أمام وزير الداخلية، فلماذا لم تطلب فرق المعارضة والأغلبية مناقشتها داخل لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة؟ وأين رؤساء الفرق النيابية من ملف يتعلق بادعاءات الاعتقال التعسفي والمحاكمة غير العادلة والفصل من الوظيفة واستمرار الضرر لأكثر من عقدين؟
الصمت البرلماني الأوسع يصبح أكثر إثارة للاستغراب حين يتعلق الملف بحقوق يكفلها الدستور نفسه، إذ يحظر الفصل 22 المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، كما يحظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة والحاطة بالكرامة.
وينص الفصل 23 على عدم جواز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته إلا في الحالات وطبقاً للإجراءات التي ينص عليها القانون، ويجعل قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة من الحقوق الأساسية.
ولا تعني إعادة فتح الملف إصدار أحكام مسبقة أو الحلول محل القضاء، بل تعني مطالبة المؤسسات بالكشف عن الإجراءات التي اتخذتها، والتحقق من الادعاءات المقدمة، وتحديد مصير المطالب الإدارية والمالية، وبيان ما إذا كانت الدولة قد أغلقت هذا الملف فعلاً أم تركت متضرريه عالقين بين أحكام الماضي وصمت الحاضر.
القضية لم تعد مخفية داخل أرشيف قديم، بل تحمل رقماً وتاريخاً واسم وزارة مختصة، ويؤكد الموقع الرسمي للبرلمان أنها ما تزال من دون جواب.
لذلك لم يعد السؤال موجهاً إلى وزير الداخلية وحده، بل إلى المؤسسة التشريعية بكاملها: لماذا يواصل الوزير الصمت، ولماذا لا يستعمل النواب وسائلهم الرقابية لانتزاع الجواب؟
بعد أكثر من 23 سنة من أحداث 16 ماي 2003، ونحو تسعة أشهر من الانتظار البرلماني، لا يطالب أصحاب الملف بامتياز استثنائي، بل بجواب رسمي، وتحقيق مؤسساتي، وتسوية قانونية منصفة إن ثبتت الأضرار.
إن استمرار عبارة «لا جواب» في الموقع الرسمي لمجلس النواب ليس مجرد خلل تقني أو تأخر إداري، بل وثيقة سياسية تكشف أن أجلاً دستورياً صريحاً يمكن أن يُخرق لأشهر، من دون جواب من الحكومة ولا رد فعل ظاهر من البرلمان.
