بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن قرار العودة إلى الساعة القانونية مجرد إجراء تقني مرتبط بعقارب الزمن، بل تحوّل إلى مؤشر سياسي على طريقة تدبير الحكومة للملفات ذات الأثر المباشر على حياة المغاربة.
فحين يؤكد وزير العدل عبد اللطيف وهبي، في تصريح لهسبريس، أن موضوع إلغاء الساعة الإضافية ظل محل نقاش داخل الحكومة والأغلبية طيلة ثلاث سنوات، يصبح السؤال أبعد من التوقيت نفسه: لماذا يحتاج مطلب اجتماعي واضح إلى كل هذا الزمن، بينما تمر نصوص تشريعية حساسة، تمس المواطن وحقوقه، بوتيرة أسرع بكثير؟
ثلاث سنوات من النقاش كي تقتنع الحكومة بأن الساعة الإضافية أربكت إيقاع الأسر والمدارس والإدارات، ووضعت الحياة اليومية للمغاربة في مواجهة مستمرة مع توقيت لا ينسجم مع واقعهم الاجتماعي.
وخلال هذه المدة، ظل النقاش العمومي حاضراً، والانتقادات متكررة، قبل أن يتحول المطلب أخيراً إلى قرار رسمي بالعودة إلى توقيت غرينتش.
غير أن المفارقة تبرز أكثر عند مقارنة هذا البطء بملفات تشريعية لا تقل حساسية، وفي مقدمتها النصوص المرتبطة بالعدالة والمهن القانونية.
فهذه القوانين لا تعني المهنيين وحدهم، بل تمس المواطن مباشرة، لأنها تحدد شروط الدفاع عنه، ومسارات ولوجه إلى القضاء، وضمانات المحاكمة العادلة، وموقع المحامي داخل منظومة حماية الحقوق.
ويقدم مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة مثالاً واضحاً على هذه المفارقة.
فالمحاماة ليست شأناً داخلياً يخص أصحاب البذل السوداء فقط، بل هي جزء أساسي من حق المواطن في الدفاع.
ومع ذلك، مر النص وسط توتر مهني واسع، واحتجاجات وانتقادات، قبل أن يتقدم في مساره التشريعي بوتيرة مكثفة. وهنا يفرض السؤال نفسه: لماذا تمنح الحكومة ثلاث سنوات لملف الساعة، بينما لا يشعر المواطن بأن القوانين المرتبطة بالعدالة أخذت القدر نفسه من النقاش العمومي الواسع؟
الساعة الإضافية أرهقت المغاربة، وهذا واقع لا يمكن إنكاره. لكنها ليست وحدها ما يؤثر في حياتهم اليومية.
فقوانين العدالة قد تنعكس على حقوقهم، وعلى قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم، وعلى ثقتهم في المؤسسات.
لذلك لا يمكن فصل قرار الرجوع إلى غرينتش عن سياقه السياسي، ولا التعامل معه كتصحيح إداري معزول عن لحظة حكومية دقيقة.
فالمغرب يقترب من الانتخابات التشريعية ومن نهاية الولاية الحكومية، وهو ما يجعل توقيت القرار محملاً بدلالات سياسية واضحة.
الحكومة التي احتاجت ثلاث سنوات للحسم في ملف الساعة اختارت لحظة لافتة لإعلان العودة إلى التوقيت القانوني، بما يجعل القرار أقرب إلى رسالة اجتماعية وسياسية موجهة إلى المواطنين، لا مجرد تعديل تقني بسيط.
المشكلة ليست في الرجوع إلى الساعة القانونية، فهذا مطلب اجتماعي قديم ومشروع.
المشكلة في الإيقاع الحكومي نفسه: بطء واضح حين يتعلق الأمر بمطلب شعبي مباشر، وسرعة أكبر حين يتعلق الأمر بقوانين عميقة تمس العدالة وحقوق المواطنين.
وبين الحالتين، يبرز سؤال الثقة: هل تتحرك الحكومة حين يشتد الضغط الاجتماعي، أم حين تقترب حسابات نهاية الولاية؟
قد تطوي العودة إلى غرينتش صفحة زمنية أثقلت المغاربة لسنوات، لكنها تفتح في المقابل صفحة سياسية أكثر حساسية. فإذا كانت الحكومة قادرة على التراجع حين تريد، فلماذا لا تنصت مبكراً في ملفات أخرى قبل أن تتحول إلى أزمات؟ وبين ساعة تؤخر بستين دقيقة، وقوانين قد تؤثر في حقوق المواطنين لسنوات، يبقى السؤال معلقاً: من يضبط توقيت الإصلاح، حاجة المواطن أم حسابات الحكومة؟
