بقلم: الباز عبدالإله
لم تكن المسيرة الاحتجاجية التي خاضتها ساكنة عدد من دواوير إقليم ميدلت في اتجاه مقر العمالة مجرد تحرك اجتماعي محدود، بل بدت مؤشراً دالاً على الفجوة القائمة بين الخطاب الحكومي حول العدالة المجالية وتقليص الفوارق، وواقع مناطق جبلية ما زالت تواجه صعوبات يومية في الولوج إلى الخدمات الأساسية.
فحين يجد سكان دواوير تابعة لجماعتي أكديم وأنمزي أنفسهم مضطرين إلى قطع مسافات طويلة مشياً على الأقدام، وسط تضاريس صعبة، للمطالبة بتأهيل الطرق، وتحسين الخدمات الصحية، وتوفير الماء الصالح للشرب، فإن الأمر يتجاوز حدود احتجاج محلي، ليطرح سؤالاً أوسع حول نجاعة السياسات الحكومية الموجهة إلى العالم القروي والمناطق الجبلية.
الطريق، في مثل هذه المجالات، ليست مجرد مشروع بنيوي أو ورش تقني، بل مدخل أساسي إلى العلاج والتعليم والإدارة والسوق والعمل.
وكل تأخر في تأهيلها يتحول، بالنسبة للساكنة، إلى عزلة فعلية تشتد قسوتها خلال فصل الشتاء وتساقط الثلوج، حين تصبح المسالك الوعرة عائقاً أمام التنقل، وأحياناً أمام إنقاذ حياة المرضى والنساء الحوامل.
مطالب الساكنة، كما عبّر عنها المحتجون، لا تبدو مطالب استثنائية أو فوق الممكن.
فهي ترتبط بتسريع إنجاز وتأهيل الطرق والمسالك، وتقوية العرض الصحي، وتوفير الأطر الطبية والأدوية الأساسية، وتحسين الولوج إلى الماء الصالح للشرب، والتطهير السائل، والتهيئة الخارجية للدواوير.
وهي مطالب تدخل في صلب العدالة المجالية التي جعلتها الحكومة جزءاً أساسياً من خطابها السياسي والتنموي.
غير أن الحصيلة الحكومية لا تُختبر فقط في الكتب التواصلية التي تعرض إنجازات رئيس الحكومة، من قبيل كتاب “إذا وعد وفى”، ولا في الشعارات السياسية التي تقول للمواطن إنه “يستاهل أكثر”، بل تُختبر في الأثر الملموس الذي يصل إلى حياته اليومية.
فالطريق المؤهلة أكثر إقناعاً من أي حصيلة مكتوبة، والمركز الصحي القريب أقوى من أي وعد، والماء الذي يصل إلى البيوت أبلغ من أي خطاب.
بهذا المعنى، تبدو ميدلت اليوم وكأنها تضع كتاب الحصيلة أمام امتحان الواقع.
فالسؤال لم يعد مرتبطاً بما تقوله الحكومة عن إنجازاتها، بل بما يراه المواطن في الدواوير المعزولة: هل تغيرت الطريق؟ هل تحسن المركز الصحي؟ هل وصل الماء؟ وهل تحولت العدالة المجالية من تعبير سياسي إلى خدمة عمومية قابلة للملاحظة والقياس؟
من هذا المنطلق، تضع مسيرة دواوير ميدلت الحكومة أمام مسؤولية سياسية وتنموية واضحة.
فإذا كانت ساكنة مناطق بكاملها تحتاج إلى مسيرة ومبيت ليلي كي تُسمع مطالبها، فهذا يعني أن آليات الإنصات والتتبع والإنجاز لم تكن بالفعالية المطلوبة، وأن جزءاً من المغرب القروي ما زال يشعر بأنه خارج دائرة الأولويات العملية.
لا يتعلق الأمر بنفي ما قد تكون الحكومة أعلنته من برامج أو أوراش، بل بمساءلة قدرتها على تحويل تلك البرامج إلى نتائج ملموسة في الهامش.
فالمواطن في الدواوير المعزولة لا يقيس الحصيلة بعدد البلاغات أو جودة العروض الرسمية، بل بمدى سهولة الوصول إلى المستشفى، وبسلامة الطريق، وبوجود الماء، وبقدرة أبنائه على التنقل والدراسة دون معاناة يومية.
وتزداد حساسية الملف حين يتعلق الأمر بمناطق تعرف، منذ سنوات، صعوبات متكررة مع العزلة والبرد وضعف البنيات الأساسية.
فهذه الاحتجاجات لا تنفصل عن تراكم طويل لمطالب اجتماعية وتنموية ظلت، وفق الساكنة، تنتظر حلولاً واضحة وبرنامجاً زمنياً محدداً.
لذلك، فإن التعامل معها بمنطق ظرفي أو تهدئة مؤقتة لن يكون كافياً لمعالجة أصل المشكل.
العدالة المجالية، في معناها العملي، لا تتحقق بتوزيع الوعود على الجهات، بل بضمان حد أدنى من الخدمات والبنيات التي تجعل المواطن يشعر بأنه معني بالسياسات العمومية، أياً كان موقعه الجغرافي.
وما وقع في ميدلت يعيد طرح سؤال جوهري على الحكومة: كيف يمكن الحديث عن تقليص الفوارق المجالية، بينما لا تزال دواوير جبلية تطالب بالطريق والصحة والماء؟
ليست ميدلت حالة معزولة عن باقي المناطق القروية والجبلية، لكنها تقدم نموذجاً دالاً عن الكلفة الاجتماعية للتأخر في إنجاز المشاريع الأساسية.
فالمناطق التي لا تظهر إلا خلال موجات البرد أو عند اندلاع الاحتجاجات تحتاج إلى مقاربة حكومية دائمة، لا إلى تدخلات موسمية أو وعود مؤجلة.
المطلوب اليوم ليس فقط فتح حوار مع الساكنة، بل تقديم أجوبة عملية قابلة للتتبع: برنامج واضح لتأهيل الطرق والمسالك، إجراءات ملموسة لتقوية الخدمات الصحية، حلول لمشاكل الماء والتطهير، وآجال معلنة لإنجاز المشاريع.
فكلما غابت الآجال والمسؤوليات، اتسعت المسافة بين الحكومة والمواطن، وتحولت الوعود إلى مصدر إضافي لفقدان الثقة.
مسيرة دواوير ميدلت تحمل رسالة واضحة: الحصيلة الحكومية لا تُختبر في القاعات المغلقة ولا في الكتيبات المصقولة، بل في الطريق التي يسلكها المواطن، وفي المركز الصحي الذي يقصده، وفي الماء الذي ينتظره، وفي قدرة السياسات العمومية على الوصول إلى المناطق التي لا تملك سوى الاحتجاج كي تفرض حضورها.
ميدلت لا تطلب امتيازاً خاصاً، بل تطلب ما يفترض أن يكون جزءاً من الحد الأدنى للإنصاف الترابي. ولهذا، فإن السؤال لم يعد موجهاً إلى الساكنة التي خرجت للاحتجاج، بل إلى الحكومة المطالبة بأن تثبت، بالمشاريع لا بالكتب التواصلية، أن العدالة المجالية ليست وعداً مؤجلاً.
