أغلق البنك الإفريقي للتنمية مشروع دعم تقني موجهاً إلى وزارة الاقتصاد والمالية بالمغرب، غير أن تقرير الإغلاق الصادر يوم الجمعة 26 يونيو 2026 لا يغلق معه السؤال الأهم: كيف تُقاس الإصلاحات بعد انتهاء المواكبة التقنية؟ وهل تتحول الدراسات والدعم المؤسساتي إلى أثر واضح في القرار العمومي، أم تبقى مجرد أدوات إدارية داخل مسارات إصلاحية طويلة ومعقدة؟
يتعلق الأمر بمشروع دعم تتبع الإصلاحات بوزارة الاقتصاد والمالية، المعروف في بطاقة البنك الإفريقي باسم “Morocco – MEF Technical Support Project”، وهو تدخل تقني محدود الكلفة، بلغت قيمة الالتزام فيه 100 ألف وحدة حساب، أي ما يعادل تقريباً 136 ألف دولار، أو حوالي 1.28 مليون درهم، وفق تقديرات تقريبية مرتبطة بسعر الصرف.
قد يبدو الرقم محدوداً مقارنة بالقروض والبرامج الكبرى التي يمولها البنك الإفريقي في قطاعات الماء والطاقة والنقل والبنيات التحتية.
غير أن أهمية المشروع لا تكمن فقط في حجمه المالي، بل في طبيعة الملف الذي يلامسه: تتبع الإصلاحات داخل وزارة الاقتصاد والمالية، ومواكبة خارطة الطريق المرتبطة بإصلاح التقاعد و/أو إصلاحات اجتماعية واقتصادية كبرى أخرى، في سياق تعزيز قدرة السلطات على تتبع وتوجيه السياسات العمومية.
وهنا تبدأ حساسية الوثيقة. فحين يرتبط دعم تقني بوزارة المالية وبملف مثل التقاعد، فإن الأمر لا يعود مجرد إجراء إداري أو خبر مؤسساتي بارد.
التقاعد في المغرب واحد من أكثر الملفات الاجتماعية والمالية تعقيداً، لأنه يضع الدولة أمام معادلة دقيقة: كيف تضمن استدامة الصناديق دون المساس المباشر بالحقوق المكتسبة والقدرة الشرائية للموظفين والمتقاعدين؟
تقرير الإغلاق لا ينبغي قراءته كحكم سياسي على الإصلاحات، ولا يسمح وحده بإصدار خلاصات متسرعة حول النجاح أو الفشل.
لكنه يفتح، بحكم طبيعته، سؤال الحصيلة: ماذا تحقق من هذا الدعم التقني؟ هل ساعد فعلاً في تقوية أدوات التتبع داخل وزارة الاقتصاد والمالية؟ وهل أصبح النقاش حول إصلاح التقاعد مؤسساً على قياس دقيق للأثر المالي والاجتماعي، أم ما زالت القرارات الكبرى تتحرك وسط لغة عامة عن التوازنات والنجاعة؟
اللافت أن البنك الإفريقي يربط المشروع بالإصلاحات الاستراتيجية التي تحملها السلطات المغربية. وهذه العبارة، رغم طابعها التقني، تكشف أن المشروع لم يكن معزولاً، بل كان جزءاً من مسار أوسع يتعلق بتحديث أدوات التتبع والتوجيه داخل واحدة من أكثر الوزارات حساسية في هندسة القرار العمومي.
لكن السؤال الحقيقي لا يقف عند ملاءمة المشروع مع الإصلاحات، بل يتجاوزها إلى الأثر. فالإصلاحات الكبرى لا تُقاس فقط بإطلاقها، ولا بعدد التقارير التي تواكبها، بل بقدرتها على إنتاج قرارات مفهومة، عادلة، قابلة للتتبع، وتحترم كلفة الإصلاح على المواطن قبل أن تبحث فقط عن التوازنات المحاسبية.
في خلفية هذا المشروع، يحضر ملف التقاعد كاختبار صعب للسياسة العمومية. فكل إصلاح في هذا الباب يمس ملايين المغاربة بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء تعلق الأمر بالموظفين النشيطين، أو المتقاعدين، أو الأسر التي تعتمد على معاشات محدودة، أو الأجيال المقبلة التي ستتحمل نتائج القرارات المؤجلة.
لذلك فإن أي دعم تقني يلامس هذا الملف يستحق نقاشاً عمومياً هادئاً، لأن ما يبدأ داخل وثائق تقنية قد ينتهي لاحقاً في شكل قرارات اجتماعية ذات أثر واسع.
ومن هنا تأتي أهمية تقرير الإغلاق. فالمشروع الذي بلغت قيمته 100 ألف وحدة حساب وصل إلى نهايته الإدارية، غير أن الأسئلة المرتبطة به لا تنتهي بمجرد إغلاق الملف. فالمغاربة لا يهمهم فقط أن تحصل وزارة الاقتصاد والمالية على دعم تقني من مؤسسة دولية، بل يهمهم أن يعرفوا كيف تُترجم هذه المواكبة إلى قرارات أوضح، وإلى إصلاحات أكثر عدلاً، وإلى أدوات تمنع تحويل الملفات الاجتماعية الكبرى إلى أزمات مؤجلة.
كما أن الحديث عن تتبع السياسات العمومية داخل وزارة الاقتصاد والمالية يطرح سؤالاً أوسع من التقاعد. فالمغرب يراكم، منذ سنوات، أوراشاً كبرى في المالية العمومية، والحماية الاجتماعية، وإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، والحكامة الاقتصادية.
وكل هذه الأوراش تحتاج إلى أدوات دقيقة لقياس الأثر، لا إلى لغة فضفاضة حول التحديث والنجاعة.
لذلك، فإن القيمة الصحفية لهذا التقرير لا تكمن فقط في رقم 100 ألف وحدة حساب، بل في السؤال الذي يفرضه على النقاش العمومي: من يتتبع أثر الإصلاحات بعد إغلاق مشاريع الدعم التقني؟ ومن يضمن أن الدراسات والمواكبات الممولة من مؤسسات دولية لا تبقى داخل دوائر الإدارة، بل تتحول إلى أدوات فعلية لتحسين القرار العمومي؟
المشروع صغير في كلفته، لكنه كبير في رمزيته. فهو يلامس وزارة مركزية، وملفاً اجتماعياً حساساً، وسؤالاً دائماً حول علاقة التمويل التقني الدولي بجودة السياسات العمومية.
ولذلك فإن صدور تقرير الإغلاق لا ينبغي أن يمر كوثيقة تقنية عادية، بل كفرصة لطرح سؤال النجاعة والمحاسبة الهادئة.
بين 100 ألف وحدة حساب، ودعم تقني موجه إلى وزارة الاقتصاد والمالية، وملف ثقيل اسمه التقاعد، يعود السؤال المركزي إلى الواجهة: هل يملك المغرب اليوم أدوات كافية لقياس أثر إصلاحاته قبل أن يدفع المواطن كلفتها؟
تقرير البنك الإفريقي لا يقدم كل الأجوبة، لكنه يفتح الباب أمام السؤال والمشروع انتهى إدارياً، لكن سؤال النتائج ما زال مفتوحاً.
