بقلم: الباز عبدالإله
رقم واحد كان كافياً لإعادة فتح أحد أكثر الأسئلة الصحية حساسية في المغرب بعد جائحة كوفيد: ماذا وقع فعلاً للتلقيح الروتيني للأطفال حين ارتبكت الخدمات الصحية، وتراجعت الثقة، وتأخرت المواعيد، وفاتت بعض الجرعات؟
دراسة علمية حديثة، منشورة أمس الخميس 25 يونيو 2026 في مجلة BMC Public Health التابعة لمنصة Springer Nature، وضعت مدينة كلميم في قلب هذا السؤال، بعدما كشفت أن نسبة الأطفال الذين صرحت أمهاتهم بأنهم تلقوا لقاح الحصبة، أو بوحمرون كما يعرف شعبياً، لم تتجاوز 44.29 في المائة داخل العينة التي شملها البحث.
لا يتعلق الأمر بحكم عام على الوضع الصحي في المغرب كله، ولا برقم يسمح بتعميم مباشر على مختلف الجهات.
غير أن أهمية المعطى تكمن في صدوره عن دراسة ميدانية أنجزت داخل مراكز صحية حضرية، وتناولت لقاحاً أساسياً ضد مرض معروف بسرعة انتشاره وخطورة مضاعفاته، خصوصاً لدى الأطفال غير الملقحين أو غير المستكملين لجرعاتهم.
واعتمدت الدراسة، التي تناولت تأثير اضطرابات كوفيد-19 على تلقي لقاح الحصبة لدى الأطفال المرتادين لمراكز صحية حضرية في كلميم، على بحث ميداني شمل 350 أماً لأطفال تتراوح أعمارهم بين صفر و59 شهراً، داخل ثلاثة مراكز صحية عمومية حضرية، خلال الفترة الممتدة من مارس إلى ماي 2025.
وتوضح منصة Springer Nature أن النسخة المنشورة حالياً تندرج ضمن الإتاحة المبكرة للمقال العلمي قبل مروره بمرحلة التحرير النهائي، غير أن ذلك لا يلغي أن المعطيات أصبحت منشورة ضمن مجلة علمية مفتوحة، وبأسماء باحثين مغربيين، وبعنوان يربط بوضوح بين اضطرابات الجائحة وفجوات التلقيح ضد الحصبة في كلميم.
الرقم المركزي في الدراسة يفتح نقاشاً صحياً جدياً: أقل من نصف الأطفال داخل العينة صرحت أمهاتهم بتلقيهم لقاح الحصبة. وبصيغة أدق، فإن نسبة الأطفال المصرح بتلقيهم اللقاح لم تتجاوز 44.29 في المائة، وهو معطى لا يمكن فصله عن عودة الحصبة إلى الواجهة في المغرب منذ أواخر سنة 2023، ولا عن النقاش الدولي حول الآثار غير المباشرة لجائحة كوفيد على برامج الوقاية والتلقيح.
ولا تقف الدراسة عند حدود الرقم، بل تربط ضعف تلقي لقاح الحصبة بعدة عوامل، من بينها تأخر تلقيح الأطفال خلال فترة كوفيد، وفوات جرعات مرتبطة بالحصبة أثناء الجائحة، ونقص المعلومات حول اللقاحات، وصعوبة الوصول إلى خدمات التلقيح، وضعف الثقة لدى بعض الأسر في اللقاحات المقدمة داخل النظام الصحي العمومي.
من هنا، ينتقل الملف من مجرد معطى طبي إلى سؤال تدبيري أوسع: هل كانت حملات الاستدراك بعد كوفيد كافية فعلاً للوصول إلى جميع الأطفال الذين فاتتهم الجرعات؟ وهل تمكنت المنظومة الصحية من استرجاع ثقة الأسر، وتوضيح المواعيد، وتقريب الخدمة، وتجاوز آثار الارتباك الذي فرضته الجائحة على التلقيح الروتيني؟
وتبرز نتائج الدراسة أن الأطفال الذين استفادوا من جرعات استدراكية ضد الحصبة سجلوا نسبة تلقيح أعلى بكثير، ما يعني أن المشكل لا يرتبط فقط بتوفر اللقاح، بل أيضاً بمدى فعالية الوصول إلى الأطفال المتأخرين عن مواعيدهم، وبقدرة المصالح الصحية على تحديد الفجوات، والتواصل مع الأسر، وتنظيم حملات قرب لا تترك الأطفال خارج دائرة الحماية.
وبلغة مباشرة، حين يصل التلقيح الاستدراكي إلى الطفل، ترتفع فرص حمايته.
وحين يغيب التواصل، أو تضيع المواعيد، أو تضعف الثقة، تتحول الفجوة الصغيرة إلى خطر جماعي، لأن الحصبة ليست مرضاً بطيء الانتشار، بل واحد من أكثر الأمراض الفيروسية قابلية للعدوى.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة لأن المغرب عرف، منذ أواخر سنة 2023، تفشياً واسعاً للحصبة شمل مختلف جهات المملكة، وفق ما سبق أن أكدته منظمة الصحة العالمية، التي أشارت إلى أن الحالات سُجلت خصوصاً بين الأطفال والأشخاص غير الملقحين أو غير المستكملين لجرعاتهم.
ولا يعني الربط بين دراسة كلميم والتنبيه الدولي حول الحصبة في المغرب أن المدينة وحدها معنية، أو أن العينة تختزل واقع البلاد. لكنه يعني أن ما وقع في كلميم يقدم إشارة ميدانية حول أثر ما بعد كوفيد على الوقاية، وحول هشاشة جزء من العلاقة بين الأسر والخدمات الصحية، وحول الحاجة إلى قراءة محلية دقيقة بدل الاكتفاء بالأرقام العامة.
فعندما تكشف دراسة ميدانية أن 44.29 في المائة فقط من أطفال العينة تلقوا لقاح الحصبة، فإن السؤال لم يعد تقنياً فقط. السؤال يصبح: أين يوجد الأطفال الذين لم تصلهم الجرعات؟ ولماذا تأخروا؟ وهل يتعلق الأمر بالمسافة، أم بالمعلومة، أم بالثقة، أم بمواعيد المراكز الصحية، أم بضعف التتبع بعد الجائحة؟
وتبرز المعطيات المرتبطة بنقص المعلومات وصعوبة الوصول وضعف الثقة أن التلقيح ليس مجرد قنينة لقاح داخل مركز صحي.
التلقيح منظومة كاملة تبدأ من المعلومة الواضحة، وتمر عبر موعد مفهوم، وخدمة قريبة، وتواصل يحترم خوف الأسر وأسئلتها، وتنتهي بطفل محمي داخل جماعة محمية.
كما أن الحديث عن الثقة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه تفصيلاً هامشياً. فكل حملة تلقيح تحتاج إلى جرعات، لكنها تحتاج أيضاً إلى خطاب صحي واضح، وحضور ميداني، وقدرة على مواجهة الشائعات والمعلومات الناقصة، خصوصاً في مرحلة ما بعد كوفيد، حيث اختلطت لدى جزء من المواطنين أسئلة الوقاية بالخوف من اللقاحات وبالارتباك الذي خلفته الجائحة.
وتضع دراسة كلميم المسؤولين الصحيين والفاعلين المحليين أمام سؤال دقيق: كيف يمكن تحويل حملات الاستدراك من عملية ظرفية إلى آلية مستمرة لتتبع الأطفال الذين فاتتهم الجرعات؟ وكيف يمكن بناء خريطة محلية لفجوات التلقيح لا تكتفي بالمعدل الوطني، بل تلاحق التفاصيل داخل الأحياء والمراكز الصحية والفئات الأكثر عرضة للتأخر؟
لا يحتاج الملف إلى تهويل، لكنه لا يحتمل التهوين أيضاً. فالرقم لا يسمح بتعميم متسرع، لكنه يكفي لطرح سؤال جدي حول الوقاية، والثقة، والوصول إلى التلقيح بعد سنوات من الاضطراب الذي فرضته جائحة كوفيد على الخدمات الصحية العادية.
وبينما يواصل المغرب جهوده للحد من انتشار الحصبة وتعزيز التلقيح، تكشف دراسة كلميم أن معركة ما بعد كوفيد لم تُحسم بالكامل.
فالجائحة انتهت كحالة طوارئ، لكنها تركت وراءها فجوات صامتة في مسارات الوقاية، قد لا تظهر خطورتها إلا حين يعود مرض سريع العدوى إلى الانتشار.
لذلك، لا تكمن أهمية الدراسة فقط في رقم 44.29 في المائة، بل في السؤال الذي يخرج من خلف الرقم: هل وصلت الوقاية إلى جميع الأطفال، أم أن بعضهم ما زال عالقاً في فراغ ما بعد الجائحة، بين موعد ضائع، ومعلومة ناقصة، وثقة تحتاج إلى ترميم؟
