أعادت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ملف مراقبة المال العام إلى صدارة النقاش العمومي، من خلال قراءة تفاعلية لتقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025، توقفت فيها عند معطيات مالية ورقابية تطرح أسئلة مباشرة حول نجاعة التدقيق، ومستوى تنفيذ التوصيات، ومدى التزام الهيئات المستفيدة من الدعم العمومي بقواعد الشفافية والمحاسبة.
وتكشف المعطيات التي استندت إليها المنظمة أن أعمال المحاكم المالية أفرزت قرارات وأحكاماً نهائية بالعجز، بلغت قيمتها حوالي 58.7 مليون درهم، وهو رقم يعكس استمرار اختلالات في تدبير الحسابات العمومية، سواء على مستوى تحصيل الموارد أو مراقبة صحة النفقات، كما يطرح سؤال الأثر العملي للرقابة المالية في حماية المال العام.
ولا تكمن أهمية هذا الرقم في قيمته المالية فقط، بل في دلالته المؤسساتية.
فحين تسجل المحاكم المالية مبالغ عجز بهذا الحجم، يصبح النقاش أوسع من مجرد ملاحظات تقنية مرتبطة بالحسابات، ليمتد إلى سؤال الحكامة، وحدود فعالية آليات التتبع، ومدى قدرة المؤسسات المعنية على تحويل نتائج الافتحاص إلى إجراءات تصحيحية واضحة.
وتشير المعطيات نفسها إلى أن الجزء الأكبر من مبالغ العجز يرتبط بعدم اتخاذ الإجراءات الواجبة لتحصيل الموارد، مقابل نسبة محدودة مرتبطة بمراقبة صحة النفقات.
وهذا المعطى يبرز أن حماية المال العام لا تبدأ فقط من مراقبة الصرف، بل من ضمان استخلاص الموارد المستحقة في آجالها، واحترام قواعد التدبير المالي داخل الجماعات والمؤسسات والهيئات العمومية.
كما توقفت المنظمة عند تراجع عدد الحسابات والبيانات المحاسبية المقدمة للمحاكم المالية، إلى جانب ضعف نسبة الإيداع الإلكتروني، التي لم تتجاوز 29.3 في المائة.
ويطرح هذا الوضع سؤالاً إضافياً حول وتيرة تحديث الإدارة المالية، ومدى قدرة الرقمنة على الانتقال من مستوى الشعار إلى مستوى الممارسة اليومية التي تسهل التتبع، وتقلص هامش الخطأ، وتوفر قاعدة معطيات أكثر دقة وشفافية.
وتكتسب زاوية الأحزاب السياسية حساسية خاصة داخل هذا النقاش، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالدعم العمومي وبثقة المواطنين في المؤسسات التمثيلية.
فالمعطيات المتداولة تشير إلى أن 27 حزباً فقط من أصل 33 قدمت حساباتها السنوية، فيما حظيت 23 حساباً بشهادة خبراء محاسبين، وهي أرقام تفتح باب التساؤل حول مدى احترام جميع الفاعلين السياسيين لواجبات التصريح والتدقيق.
وفي السياق نفسه، تكشف المعطيات أن 24 حزباً أرجعت أكثر من 36.03 مليون درهم من مبالغ الدعم غير المستعملة أو غير المستحقة أو غير المبررة، بينما لا يزال مبلغ يقارب 21.85 مليون درهم لم يرجع بعد إلى خزينة الدولة من طرف 14 حزباً.
وهنا يصبح السؤال أكثر حدة: كيف يمكن تعزيز الثقة في العمل السياسي إذا ظل جزء من المال العمومي الموجه إلى الأحزاب موضوع ملاحظات واسترجاع وتتبع؟
ولم تحصر المنظمة مطلب الشفافية في الأحزاب وحدها، بل دعت إلى توسيع منطق التدقيق ليشمل النقابات وهيئات المجتمع المدني المستفيدة من الدعم العمومي.
فكل جهة تتلقى أموالاً من الميزانية العامة، بغض النظر عن طبيعتها السياسية أو النقابية أو الجمعوية، يفترض أن تخضع للمعايير نفسها في التصريح، والتبرير، والمراقبة، وترتيب المسؤوليات عند الاقتضاء.
وتحمل هذه المطالب بعداً دستورياً واضحاً، لأن ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يمكن أن يبقى مبدأ عاماً دون أثر عملي.
فالتقارير الرقابية تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها حين لا تتحول توصياتها إلى إجراءات ملموسة، وحين لا تتم مواكبة الاختلالات المرصودة بتصحيح فعلي، أو باسترجاع الأموال غير المبررة، أو بترتيب الجزاءات القانونية والإدارية عند ثبوت المسؤولية.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل استمرار الفجوة بين إنتاج التقارير وتنفيذ التوصيات.
فالرقابة لا تكتمل بمجرد رصد الخلل، بل تبدأ قيمتها الحقيقية حين يتحول التقرير إلى أداة إصلاح، وحين تصبح الملاحظة المالية مدخلاً لتصحيح مسارات التدبير، لا مجرد وثيقة موسمية تنتهي صلاحيتها بمجرد تداول خلاصاتها في النقاش العام.
ومن هذه الزاوية، لا يتعلق الأمر فقط بعجز مالي يناهز 58 مليون درهم، بل بسؤال أعمق حول ثقافة تدبير المال العام في المغرب. فالدعم العمومي، سواء وُجه إلى أحزاب أو نقابات أو جمعيات، لا يمكن أن يبقى منفصلاً عن واجب تقديم الحساب، لأن مصدره في النهاية هو المال العام، ولأن المواطن من حقه أن يعرف أين تذهب أموال الدعم، وكيف تُصرف، وما الأثر الذي تتركه.
إن جوهر النقاش الذي تفتحه هذه المعطيات لا يقف عند حدود الأرقام، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بين المال العمومي والثقة المؤسساتية.
فكل درهم يصرف من ميزانية الدولة ينبغي أن يكون قابلاً للتتبع والتبرير، وكل دعم لا يقابله وضوح في الحسابات يضعف صدقية الخطاب السياسي والنقابي والجمعوي حول الحكامة والمسؤولية.
وبذلك، يتحول سؤال “أين تذهب أموال الدعم؟” من عنوان صحفي إلى سؤال مؤسساتي كبير، يضع الأحزاب والنقابات وهيئات المجتمع المدني أمام اختبار الشفافية، ويضع الدولة بدورها أمام مسؤولية ضمان ألا يبقى المال العام مجالاً رمادياً بين الدعم والمحاسبة.
