أثار التعديل الذي أدخله مجلس المستشارين على مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، والقاضي بإخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، نقاشاً قانونياً ومهنياً واسعاً داخل هيئات الدفاع، بين من يقدمه باعتباره آلية لحماية المال العام، ومن يرى فيه محاولة لتوسيع الرقابة خارج مجالها الدستوري، وفرض وصاية مقنعة على مهنة حرة مستقلة.
وفي هذا السياق، اعتبر الأستاذ رشيد أيت بلعربي، المحامي بهيئة القنيطرة، أن رفض أغلب المحامين ومؤسساتهم لهذا المقتضى لا يعني رفض الرقابة في حد ذاتها، بل هو رفض، بحسب تعبيره، لخرق الدستور والقانون، ورفض للمساس باستقلالية المحاماة، وعدم اقتناع بالحجج المقدمة لتبرير ما وصفه بمحاولة ضرب هذه الاستقلالية.
وأوضح أيت بلعربي، في تدوينة مطولة نشرها على حسابه بموقع فايسبوك، أن النقاش ينبغي أن ينطلق من دستور 2011، وتحديداً من الفصل 147، الذي جعل المجلس الأعلى للحسابات الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة، وأسند إليه مهمة حماية مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية.
وبحسب قراءة أيت بلعربي، فإن هذا الفصل الدستوري رسم بشكل واضح الإطار العام لتدخل المجلس الأعلى للحسابات، ووضع له ضابطين أساسيين: أولهما أن الرقابة ترتبط بالدولة والأجهزة العمومية، وثانيهما أن مجالها الطبيعي يظل لصيقاً بالمال العام.
لذلك، فإن تدخل المجلس لا يمكن، في نظره، أن يمتد إلى هيئات مهنية مستقلة مالياً وإدارياً عن الدولة، ولا تستفيد من أي تمويل عمومي.
واعتبر المحامي بهيئة القنيطرة أن بعض عبارات الفصل 147، خاصة تلك المتعلقة بسلامة العمليات المرتبطة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة للمراقبة بمقتضى القانون، قد تفتح الباب أمام تأويلات موسعة، غير أن وضعها داخل سياق الفصل كاملاً يجعل المقصود بها، حسب رأيه، هو الأجهزة التابعة للدولة أو المرتبطة بتنفيذ قوانين المالية، لا الهيئات المهنية المستقلة التي تدبر شؤونها بعيداً عن ميزانية الدولة.
وشدد أيت بلعربي على أن المحاماة، بطبيعتها، مهنة حرة ومستقلة، وهو ما يؤكده القانون الحالي المنظم للمهنة، بل حتى مشروع القانون نفسه موضوع المسطرة التشريعية.
وأضاف أنه لا يستقيم الحديث عن هيئات تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، ولا تتلقى أي مساعدات أو دعم من الدولة، ثم إخضاعها في الوقت ذاته لرقابة مؤسسة دستورية أحدثت أصلاً لمراقبة المالية العمومية.
وفي رده على من قد يستند إلى اختصاص المجلس الأعلى للحسابات في تدقيق حسابات الأحزاب السياسية وتتبع التصريح بالممتلكات، أوضح أيت بلعربي أن هذه الحالات ترتبط بدورها بالمال العام.
فالأحزاب السياسية، بحسبه، تتلقى تمويلاً من الدولة، سواء في إطار الدعم السنوي أو تمويل الحملات الانتخابية، وهو ما يبرر تدخل المجلس الأعلى للحسابات لتدقيق حساباتها.
أما التصريح بالممتلكات، فيهم موظفين عموميين ومنتخبين يتقاضون أجورهم من المال العام، أو يشرفون على تدبيره داخل مؤسسات منتخبة أو إدارية.
وانتقل أيت بلعربي إلى مدونة المحاكم المالية، وخاصة القانون رقم 62.99، مؤكداً أن المادة الثانية منه ظلت بدورها وفية للإطار الدستوري، حين نصت على أن المجلس الأعلى للحسابات هو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية، وأنه يمارس مهمة حماية الحكامة والشفافية والمحاسبة بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية. واعتبر أن أي صلاحيات إضافية يمنحها القانون للمجلس ينبغي أن تقرأ داخل هذا الإطار العام، لا خارجه.
كما استند إلى المادة الثالثة من مدونة المحاكم المالية، بعد تعديلها بموجب القانون رقم 55.16، مبرزاً أنها حددت اختصاصات المجلس في التدقيق والبت في حسابات الأجهزة العمومية، والتأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، ومراقبة تسيير الأجهزة العمومية، وتقييم البرامج والمشاريع العمومية، ومراقبة استعمال الأموال العمومية، وتدقيق حسابات الأحزاب السياسية، وفحص النفقات الانتخابية، وتتبع التصاريح الإجبارية بالممتلكات.
وبناء على ذلك، يرى أيت بلعربي أن المجلس الأعلى للحسابات لم يمنحه الدستور ولا مدونة المحاكم المالية اختصاصاً عاماً لمراقبة كل حساب مالي كيفما كانت طبيعته، بل ربطا تدخله بالمالية العمومية وبالأجهزة التابعة للدولة أو المستفيدة من المال العام. أما هيئات المحامين، حسب قوله، فهي مؤسسات مستقلة عن الدولة، ولا تربطها أي صلة بالمال العام من حيث التمويل أو الدعم أو التصرف.
وأكد أيت بلعربي أن حساب الودائع والأداءات الذي تدبره مجالس هيئات المحامين لا يتلقى أموالاً عامة ولا دعماً عمومياً كيفما كان، بل هو مجرد حساب تودع فيه مبالغ منفذة عن طريق كتابة الضبط أو بشكل ودي لفائدة موكلين ينوب عنهم محامون، قبل أن تسلم في آجال وجيزة لأصحابها.
وأضاف أن الهيئات تتحمل وحدها كلفة تدبير هذا الحساب، بما في ذلك أجور المستخدمين، ومصاريف الأنظمة المعلوماتية، وأدوات العمل، دون أن تطلب مساعدة الدولة، حفاظاً على استقلاليتها.
وتوقف أيت بلعربي كذلك عند المادة 51 من مدونة المحاكم المالية، المتعلقة بالتأديب، والتي حصرت الأجهزة الخاضعة لرقابة المجلس الأعلى للحسابات في مرافق الدولة، والمؤسسات العمومية، والشركات أو المقاولات التي تملك فيها الدولة أو المؤسسات العمومية أغلبية الأسهم أو سلطة مرجحة في اتخاذ القرار، إضافة إلى الشركات التي تملك فيها الدولة أو المؤسسات العمومية، إلى جانب الجماعات الترابية، أغلبية الأسهم أو سلطة التأثير.
واعتبر أن هيئات المحامين لا تدخل ضمن أي صنف من هذه الأصناف، ولا علاقة لها بالأجهزة المذكورة في مدونة المحاكم المالية، ما يجعل إخضاعها لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، في نظره، غير ممكن بمجرد تعديل قانون مهنة المحاماة، بل يحتاج، إذا أريد تمريره منسجماً مع المنطق الدستوري، إلى مراجعة أعمق تمس الفصل 147 نفسه.
وانتقد أيت بلعربي تعليل وزير العدل لهذا المقتضى بكون حساب ودائع وأداءات المحامين قد تمر عبره أموال تعود للدولة أو لمؤسساتها، معتبراً أن هذا المبرر لا يصمد أمام أبسط قراءة قانونية.
فالدستور ومدونة المحاكم المالية، بحسبه، لم يمنحا المجلس الأعلى للحسابات سلطة تتبع المال العام من حساب إلى حساب، ولا مراقبة كل الأشخاص والمؤسسات التي قد تمر عبرها أموال عمومية دون أن تكون لها سلطة التصرف فيها.
وأضاف أن اعتماد هذا المنطق قد يفتح الباب، نظرياً، أمام إخضاع الحسابات الشخصية للمحامين والموثقين والأبناك وغيرهم من المهنيين والمؤسسات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، لمجرد أن أموالاً عامة قد تمر عبرها في مرحلة معينة.
وهذا، في تقديره، يخالف جوهر اختصاص المجلس، الذي يتعلق بتدقيق حسابات الأجهزة العمومية، وكيفية صرف المال العام أو استعماله من طرف الجهات التي تتلقاه أو تدبره قانوناً.
وأشار أيت بلعربي إلى أن المادة 75-1، التي أضيفت في المشروع من طرف مجلس المستشارين، تنص على إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، للتحقق من قانونية وسلامة العمليات المالية والمحاسبية المرتبطة به، ولا سيما عمليات الإيداع والسحب والتحويل والأداء، وتتبع الأرصدة والفوائد والمصاريف.
ويرى أيت بلعربي أن صيغة هذه المادة تكشف أن الأمر لا يتعلق فقط بالأموال التي قد تكون لفائدة الدولة أو مؤسساتها، كما جاء في تبرير وزير العدل، بل يشمل كل العمليات المالية التي تمر عبر الحساب، بما فيها الأموال الخاصة بالموكلين، سواء كانوا أشخاصاً ذاتيين أو معنويين.
واعتبر أن هذا يؤكد، بحسب تعبيره، أن ذريعة المال العام ليست سوى مدخل مصطنع لتوسيع الرقابة على حساب مهني لا علاقة له بالمالية العمومية.
كما شدد على أن هذا الحساب معمول به منذ سنة 2009، ولم يسجل، وفق ما أورده، أي احتجاج أو شكاية جدية من موكل بسبب طريقة تدبيره، سواء تعلق الأمر بالدولة أو بمؤسساتها أو بإداراتها أو بأي متقاض آخر، وهو ما يجعل تبرير التعديل بحماية المال العام غير مقنع في نظره.
واعتبر أيت بلعربي أن الأخطر من إخضاع الحساب لرقابة المجلس الأعلى للحسابات يتمثل في الفقرة التي تمنح السلطة الحكومية المكلفة بالعدل صلاحية تحديد مضمون الحساب السنوي، ونماذج الجداول، والوثائق المرفقة به، وكيفيات حفظ هذه الوثائق، وآجال تقديم الحساب إلى المجلس الأعلى للحسابات، بعد استطلاع رأي هذا الأخير.
وبحسب المحامي بهيئة القنيطرة، فإن هذه الصيغة لا تمس فقط علاقة هيئات المحامين بالمجلس الأعلى للحسابات، بل تفتح الباب أمام تدخل مباشر لوزارة العدل في تدبير شؤون الهيئات، بما يحولها، في نظره، إلى مؤسسات تابعة أو ملحقة بالسلطة الحكومية المكلفة بالعدل، عوض أن تظل مؤسسات مهنية مستقلة تدبر شؤونها في إطار القانون.
وخلص أيت بلعربي إلى أن النقاش الحقيقي لا يتعلق بالمفاضلة بين الرقابة وغياب الرقابة، ولا بمن يريد حماية المال العام ومن يرفض ذلك، بل يتعلق بحدود الرقابة المشروعة، وبمدى احترام الدستور، وبالحفاظ على استقلالية المحاماة باعتبارها مهنة دفاع، لا جهازاً عمومياً ولا مؤسسة ممولة من ميزانية الدولة.
واعتبر أن حماية المال العام لا يمكن أن تتحول إلى ذريعة لفرض وصاية إدارية على مهنة المحاماة، أو إلى وسيلة لاستلاب استقلالية هيئاتها، مؤكداً أن أي إصلاح حقيقي ينبغي أن يضمن الشفافية والمحاسبة داخل احترام طبيعة المهنة، لا عبر توسيع اختصاص مؤسسة دستورية خارج مجالها الطبيعي، ولا عبر منح وزارة العدل سلطة توجيهية تمس جوهر استقلال الدفاع.
ويأتي هذا الموقف في سياق توتر مستمر بين وزارة العدل وهيئات المحامين حول مشروع القانون المنظم للمهنة، وسط مطالب مهنية بإعادة النظر في عدد من مقتضياته، بما يضمن تطوير المهنة وتحصين ثقة المتقاضين، دون المساس باستقلالية المحاماة كأحد أعمدة العدالة ودولة القانون.
