أعاد البنك الدولي، اليوم السبت 27 يونيو 2026، ملف إصلاح التعليم بالمغرب إلى واجهة النقاش العمومي، بعد نشر النسخة العلنية من تقرير حالة التنفيذ والنتائج الخاص ببرنامج دعم التعليم، المعروف برقم P167619، في تسلسله الثالث عشر.
ولا تحمل الوثيقة إعلاناً عن تمويل جديد، بقدر ما تعيد فتح سؤال أعمق يرتبط بمدى نجاعة السياسات العمومية في تحويل الدعم المالي والإصلاحات المعلنة إلى أثر ملموس داخل المدرسة العمومية.
فالبرنامج، الذي انطلق بتمويل من البنك الدولي بلغ 500 مليون دولار، تعزز سنة 2023 بتمويل إضافي قدره 250 مليون دولار، ليرتفع الغلاف الإجمالي المرتبط بهذا الورش إلى 750 مليون دولار.
غير أن أهمية هذا الرقم لا تكمن في حجمه فقط، بل في السؤال الذي يرافقه: ماذا تغير فعلاً في القسم العمومي بعد سنوات من التمويل والمخططات والإصلاحات؟
يقوم برنامج دعم التعليم على منطق “التمويل مقابل النتائج”، أي أن صرف الدعم لا يرتبط بمجرد إطلاق البرامج أو إعلان الالتزامات، بل بتحقيق مؤشرات محددة وقابلة للقياس.
وهذا المعطى يمنح الوثيقة أهميتها، لأنها تنقل النقاش من لغة النوايا إلى لغة الأثر، ومن خطاب الإصلاح إلى سؤال النتائج.
من هذه الزاوية، تبدو المدرسة المغربية أمام امتحان سياسي واجتماعي حقيقي. فالمغرب لم يفتقر خلال السنوات الأخيرة إلى الوثائق المرجعية والمخططات الكبرى، من الرؤية الاستراتيجية، إلى القانون الإطار، إلى خارطة الطريق 2022-2026، إلى برنامج مدارس الريادة.
غير أن تراكم العناوين لا يكفي وحده لإقناع الأسر، ما لم ينعكس على مستوى التلاميذ، وعلى ظروف اشتغال الأساتذة، وعلى جودة التعلمات داخل المؤسسات العمومية.
الأكثر حساسية أن البنك الدولي سبق أن نبه، في معطيات نشرها حول التعليم بالمغرب، إلى أن فقر التعلمات ما زال مرتفعاً، حيث كان نحو 60 في المائة من الأطفال في سن العاشرة غير قادرين على قراءة وفهم نص بسيط بنهاية المرحلة الابتدائية سنة 2023.
وهذا الرقم لا يمكن التعامل معه كمؤشر تقني عابر، لأنه يمس جوهر وظيفة المدرسة: تمكين الطفل من التعلم الأساسي.
فالمغرب حقق تقدماً مهماً في توسيع الولوج إلى المدرسة، غير أن التحدي الأكبر لم يعد مرتبطاً فقط بعدد الأطفال المسجلين، بل بما يتعلمونه فعلاً بعد دخولهم إلى القسم.
لذلك يصبح السؤال المركزي هو: هل يقرأ التلميذ بشكل أفضل؟ هل يفهم ما يقرأ؟ هل يتحسن مستواه في الحساب واللغات؟ وهل تقل الفوارق بين المدينة والقرية، وبين الأسر القادرة على تمويل الدعم الخارجي والأسر التي لا تملك هذا الهامش؟
هنا تتجاوز القضية حدود قطاع التعليم وحده، فضعف التعلمات لا ينتج أزمة مدرسية فقط، بل يتحول لاحقاً إلى ضعف في سوق الشغل، وإلى هشاشة اجتماعية، وإلى تفاوت في الفرص.
وحين تعجز المدرسة العمومية عن ضمان الحد الأدنى من الكفايات الأساسية، تصبح الأسر أمام كلفة إضافية مرتبطة بالتعليم الخصوصي، والدعم، والساعات الإضافية، وهو ما يعمق الفوارق بدل تقليصها.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن المغرب شرع في تغيير بعض أدواته الإصلاحية. فقد تحدث البنك الدولي بإيجابية عن برنامج مدارس الريادة، باعتباره مبادرة تسعى إلى نقل الإصلاح إلى قلب القسم، من خلال مقاربات تعليمية قائمة على الأدلة، وتكوين المدرسين، وتقوية إدارة المؤسسات.
ووفق المعطيات التي قدمها البنك، انتقل البرنامج من 626 مدرسة في مرحلته التجريبية خلال موسم 2023-2024 إلى 4626 مدرسة خلال موسم 2025-2026، ليستفيد منه أكثر من مليوني تلميذ.
لكن التوسع العددي، رغم أهميته، لا يعفي من سؤال الجودة. فنجاح أي إصلاح لا يقاس فقط بعدد المؤسسات المنخرطة فيه، بل بقدرته على إنتاج تحسن مستقر وعادل في التعلمات.
والانتقال من التجربة إلى التعميم يحتاج إلى حكامة دقيقة، ومواكبة فعلية للأساتذة، وتقييم منتظم، حتى لا يتحول الإصلاح إلى واجهة ناجحة في بعض المؤسسات، بينما تبقى مؤسسات أخرى تحت ضغط الاكتظاظ، والهدر، وضعف التأطير.
المشكل أن السياسات التعليمية في المغرب ظلت، لسنوات طويلة، تتحرك بين موجات متتالية من الإصلاح.
كل مرحلة تأتي بمفاهيم جديدة، وكل حكومة تقدم أولوياتها، وكل وزير يفتح ورشاً باسم التغيير.
غير أن المدرسة لا تصلحها الشعارات وحدها، بل تصلحها استمرارية القرار، ووضوح المسؤوليات، وربط التمويل بالنتائج، والجرأة في تقييم ما تحقق وما لم يتحقق.
لذلك، لا تبدو وثيقة البنك الدولي مجرد تقرير مالي أو إداري. إنها تضع السياسات العمومية أمام سؤال النجاعة.
فحين تعبئ الدولة تمويلات مهمة، وتعلن برامج واسعة، وتربط جزءاً من الإصلاح بمنطق النتائج، يصبح من حق المجتمع أن يعرف ما الذي تحقق فعلاً داخل القسم، وما الذي بقي في حدود الوثائق والمؤشرات العامة.
الأمر لا يتعلق بالتشكيك في أهمية التمويل الدولي، ولا في حاجة المدرسة إلى موارد إضافية.
بل يتعلق بسؤال أكثر دقة: هل تحولت هذه الموارد إلى أثر قابل للقياس؟ وهل انعكس الدعم على القراءة، والحساب، واللغات، والإنصاف، وثقة الأسر في المدرسة العمومية؟ وهل أصبحت المنظومة أكثر قدرة على محاسبة نفسها بدل الاكتفاء بإنتاج خطابات جديدة حول الإصلاح؟
إن 750 مليون دولار ليست رقماً عادياً في قطاع يواجه تراكمات ثقيلة.
وهذه المبالغ لا تكتسب معناها إلا إذا وصلت آثارها إلى التلميذ داخل القسم، وإلى الأستاذ في ممارسته اليومية، وإلى الإدارة التربوية في قدرتها على التدبير، وإلى الأسرة التي تنتظر مدرسة عمومية قادرة على ضمان تكافؤ الفرص.
الخلاصة أن البنك الدولي لم يعد اليوم إلى ملف التعليم المغربي بخبر تمويل جديد، بل بوثيقة تتبع تعيد وضع سؤال النتائج في الواجهة.
وبعد سنوات من الإصلاحات والدعم والمخططات، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً هو: ماذا وعدت السياسات التعليمية؟ بل ماذا أنجزت فعلاً داخل القسم العمومي؟
فالمدرسة لا تحتاج إلى بلاغات تُجمّل حصيلة الإصلاح، بل إلى تلميذ يتعلم.
ولا تحتاج إلى إصلاح يتقن لغة المؤسسات، بل إلى أثر يظهر في القراءة والفهم والحساب والإنصاف.
وما دون ذلك، سيبقى تمويلاً كبيراً فوق أزمة أكبر.
المصدر: البنك الدولي، تقرير حالة التنفيذ والنتائج لبرنامج دعم التعليم بالمغرب P167619، النسخة العلنية، التسلسل رقم 13، 27 يونيو 2026. ومعطيات البنك الدولي حول مدارس الريادة وفقر التعلمات، 21 ماي 2026.
