بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن جواب وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، اليوم الاثنين 29 يونيو 2026، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، مجرد عرض تقني لحصيلة بناء وتأهيل وتجهيز المساجد، بل أعاد إلى الواجهة سؤالاً حساساً يرتبط بتدبير واحد من أكثر المرافق حضوراً في الحياة اليومية للمغاربة، فكيف صُرفت ملايير الدراهم على إصلاح بيوت الله، وما زال المغرب يتوفر على 1485 مسجداً مغلقاً ينتظر التأهيل.
كشف التوفيق أن وزارته تخصص سنوياً حوالي 296 مليون درهم لفائدة مساجد العالم القروي، بما يمثل 41 في المائة من ميزانية الاستثمار، غير أن هذا الرقم، على أهميته، يزداد ثقلاً حين يوضع أمام معطى آخر أكثر إحراجاً، يتمثل في استمرار إغلاق 1485 مسجداً يحتاج إلى اعتمادات مالية تقارب ملياري درهم من أجل تأهيله وإعادة فتحه أمام المصلين.
ولا يتعلق الأمر ببرنامج جديد أو ظرفية طارئة، فمنذ سنة 2010، تؤكد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أنها جعلت ملف المساجد المغلقة ضمن أولوياتها، حيث تم إلى حدود اليوم تأهيل 2200 مسجد بغلاف مالي بلغ 3.87 مليارات درهم، فيما تتواصل الأشغال في 505 مساجد أخرى بكلفة تناهز مليار درهم، إلى جانب وجود 136 مسجداً في طور الدراسات واستكمال التراخيص، بكلفة تقدر بحوالي 168 مليون درهم.
غير أن استمرار هذا العدد الكبير من المساجد المغلقة يكشف أن الملف لا يرتبط فقط بتراكمات قديمة، بل بدورة متواصلة من الهشاشة البنيوية، إذ أقر الوزير بأن الوزارة تضطر سنوياً إلى إغلاق ما يقارب 586 مسجداً، بعد عمليات المراقبة التقنية الدورية التي تشرف عليها السلطات المختصة، حفاظاً على سلامة المصلين، وهو ما يعني أن البرنامج لا يواجه فقط إرث المساجد المغلقة، بل يواجه أيضاً تدفقاً سنوياً لمساجد جديدة تدخل دائرة الخطر.
وبحسب المعطيات التي قدمها التوفيق، فقد تم بناء 15 مسجداً جديداً بالعالم القروي بكلفة بلغت 91 مليون درهم، وتأهيل 1544 مسجداً مغلقاً باستثمار يقارب ملياري درهم، مع مواصلة أشغال تأهيل 397 مسجداً بكلفة تناهز 652 مليون درهم، والعمل على تعبئة الاعتمادات اللازمة لتأهيل 1121 مسجداً متبقياً.
هذه الأرقام، وإن كانت تعكس مجهوداً مالياً ومؤسساتياً واضحاً، لا تلغي السؤال المرتبط بسرعة الإنجاز ونجاعة التدبير، فالمسجد، خصوصاً في العالم القروي، ليس بناية دينية فقط، بل هو فضاء جماعي ومؤشر على حضور الدولة ومرفق يومي يرتبط بالكرامة والقرب والخدمة العمومية.
وتزداد أهمية هذا السؤال حين يؤكد الوزير أن المغرب يتوفر على أكثر من 53 ألف مسجد، يوجد نحو 75 في المائة منها بالعالم القروي، وهو ما يجعل الجزء الأكبر من ورش التأهيل مرتبطاً بمجالات تعرف أصلاً خصاصاً في البنيات الأساسية، من طرق وماء وكهرباء ومرافق عمومية، بما يحول إصلاح المساجد إلى جزء من سؤال أوسع حول العدالة المجالية.
وتواصل الوزارة، وفق ما عرضه التوفيق، تجهيز المساجد بالمرافق الضرورية، من خلال التفريش، وتوفير طفايات الحريق، وربط أكثر من 1562 مسجداً بشبكة الكهرباء، في إطار تحسين ظروف استقبال المصلين وضمان معايير السلامة، غير أن هذه المعطيات تفتح بدورها سؤالاً بسيطاً، كيف ما زالت بعض المساجد، في سنة 2026، تحتاج إلى الربط بالكهرباء أو إلى تجهيزات أساسية، في بلد يعتبر تدبير الشأن الديني إحدى ركائز استقراره المؤسساتي والروحي.
لا يمكن إنكار حساسية قرارات إغلاق المساجد أو ترميمها أو إعادة فتحها، لأن سلامة المصلين تظل أولوية لا تقبل المجازفة، كما أن الترخيص بإقامة صلاة الجمعة أو إعادة فتح مسجد مغلق يخضع، بحسب الوزارة، لمعايير تقنية وشرعية دقيقة، غير أن هذه الحساسية لا تعني غياب النقاش العمومي، ولا تمنع من طرح سؤال النجاعة، كم سنة يحتاج المغرب لإنهاء ملف المساجد المغلقة، وهل الاعتمادات الحالية كافية أمام وتيرة إغلاق تقارب 586 مسجداً سنوياً.
وفي محور تطوير أساليب الدعوة، أوضح الوزير أن الوزارة تعتمد على تأهيل العنصر البشري عبر برامج تكوين العلماء والأئمة، وتفعيل ميثاق العلماء وخطة تسديد التبليغ والتواصل الأسري، إلى جانب دعم الإشعاع العلمي للمساجد عبر 9177 حصة ضمن الكراسي العلمية خلال سنة 2025، وتنظيم 823 ألفاً و814 درساً في الوعظ والإرشاد.
هذه الأرقام تعكس رغبة الوزارة في تحديث وظيفة المسجد وربطه بخطاب الوسطية والاعتدال وصيانة الأمن الروحي للمملكة، غير أن الأمن الروحي لا يكتمل بالخطاب وحده، فالمسجد الذي يغلق بسبب خطر بنيوي، أو ينتظر سنوات من أجل التأهيل، أو يفتقر إلى شروط الاستقبال الأساسية، يعكس وجهاً آخر من معادلة التدبير الديني.
لذلك، فإن الحصيلة التي قدمها وزير الأوقاف لا ينبغي أن تقرأ فقط باعتبارها أرقاماً عن البناء والترميم والتجهيز، بل باعتبارها مؤشراً على فجوة قائمة بين حجم الاعتمادات المالية وحجم الحاجيات المتراكمة، فمنذ سنة 2010 إلى اليوم، صُرفت ملايير الدراهم، وتحركت أوراش كثيرة، وتوسعت عمليات المراقبة، لكن الرقم النهائي ما زال ثقيلاً، 1485 مسجداً مغلقاً، ومئات أخرى قد تلتحق بالقائمة كل سنة.
هنا يصبح السؤال أكبر من وزارة الأوقاف وحدها، ومرتبطاً بمنطق تدبير الاستثمار العمومي في المرافق القريبة من المواطن، فحين يتعلق الأمر ببيوت الله، لا تكفي لغة الحصيلة، ولا تكفي أرقام الاعتمادات، بل المطلوب أن يرى المواطن النتيجة في قريته ودواره والحي الذي يعيش فيه، وفي المسجد الذي ينتظر فتح أبوابه من جديد.
المساجد ليست إسمنتاً وحجارة فقط، إنها ذاكرة جماعية وفضاء يومي ومؤشر على معنى القرب العمومي، ولذلك فإن رقم 1485 لا يجب أن يبقى رقماً عابراً في جواب حكومي، بل ينبغي أن يتحول إلى التزام واضح بجدول زمني معلن، وتمويل مضبوط، ومساءلة دقيقة، حتى لا تستمر بيوت الله مغلقة، بينما تستمر الملايير في الدوران داخل لغة البرامج.
