بقلم: الباز عبدالإله
دخل العراق واحدة من أكثر لحظاته السياسية والقضائية حساسية، بعد توقيف عشرات المسؤولين والسياسيين، بينهم نواب حاليون وشخصيات حكومية، في إطار تحقيقات مرتبطة بشبهات فساد وسوء استعمال موارد الدولة.
فالعملية التي طالت أسماء من داخل المشهد السياسي والإداري، وشملت مداهمات في المنطقة الخضراء ببغداد، لم تكن مجرد إجراء أمني عابر، بل تحولت إلى حدث إقليمي يعيد طرح سؤال قديم ومتجدد: إلى أي مدى يمكن للمؤسسات أن تذهب في تتبع ملفات المال العام حين تقترب الشبهات من مواقع النفوذ والقرار؟
وبحسب معطيات نقلتها وكالات دولية عن مصادر عراقية رسمية وقضائية، فقد جرى توقيف 47 شخصاً على خلفية تحقيقات مرتبطة بملفات فساد، من بينهم أعضاء في البرلمان ومسؤولون حكوميون.
كما تحدثت المصادر ذاتها عن رفع الحصانة عن نواب وردت أسماؤهم في التحقيقات، بما سمح للسلطات المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية في حقهم.
وتكتسب هذه العملية رمزيتها من طبيعة الأسماء التي شملتها، ومن المكان الذي جرت فيه بعض المداهمات.
فالمنطقة الخضراء، التي تضم مؤسسات حكومية حساسة وسفارات أجنبية ومقار مرتبطة بمراكز القرار، ليست مجرد فضاء جغرافي في بغداد، بل تمثل في المخيال السياسي العراقي عنواناً للسلطة والنفوذ.
لذلك، فإن وصول أوامر التوقيف إلى هذا المجال يحمل رسالة سياسية وقضائية قوية، حتى قبل أن تقول المحاكم كلمتها النهائية.
غير أن قوة الحدث لا تلغي القاعدة القانونية الأساسية: التوقيف أو الاتهام لا يعني الإدانة.
فجميع المعنيين يظلون متمتعين بقرينة البراءة إلى حين صدور أحكام قضائية نهائية، بناءً على أدلة واضحة ومساطر سليمة وحقوق دفاع مكفولة.
وهذا المعطى ليس تفصيلاً لغوياً، بل هو جوهر العدالة، لأن محاربة الفساد لا تكتسب مشروعيتها فقط من حجم الأسماء الموقوفة، بل من سلامة المسطرة ووضوح الأدلة واستقلال القرار القضائي.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن التحقيقات توسعت بعد إفادات منسوبة إلى مسؤول سابق في وزارة النفط، قبل أن تقود إلى أسماء أخرى في السياسة والإدارة.
ولم تعلن السلطات، إلى حدود المعطيات المتوفرة، التفاصيل الكاملة لكل ملف على حدة، ما يجعل القضية مفتوحة على تطورات قضائية وسياسية لاحقة، خصوصاً في بلد تتداخل فيه شبكات المصالح مع التوازنات الحزبية والطائفية والمؤسساتية.
في العمق، لا يتعلق الأمر بالعراق وحده. فالحدث يضع أمام دول المنطقة سؤالاً مؤسساتياً يتجاوز الحالة العراقية: كيف يمكن التعامل مع شبهات الفساد حين تقترب من مواقع القرار؟ وهل تظل محاربة الفساد مجرد خطاب عام، أم تتحول إلى مسار قانوني يبدأ من البحث والتحقيق، ويمر عبر القضاء، وينتهي بأحكام واضحة، إما بالبراءة أو بالإدانة؟
ومن هذه الزاوية، يحضر المغرب في النقاش لا من باب المقارنة المباشرة أو استنساخ التجارب، بل من باب السؤال الافتراضي الهادئ: كيف يمكن لأي دولة، ومنها المغرب، أن تفعل آليات الرقابة والمحاسبة في ملفات المال العام ضمن الضمانات الدستورية والقانونية المعمول بها؟ فالنقاش هنا لا يتعلق بالدعوة إلى حملات توقيف، ولا إلى إصدار أحكام مسبقة، ولا إلى التشهير بأشخاص أو مؤسسات، بل بطرح سؤال مؤسساتي حول قدرة التقارير الرقابية والمعطيات الموثقة على التحول، متى توفرت الشروط القانونية، إلى مسارات واضحة للمحاسبة.
في الحالة المغربية، يظل الإطار الأسلم هو الحديث عن تفعيل المؤسسات لا عن استنساخ الحملات.
فالمحاسبة الجادة تبدأ من تقارير الرقابة، ومن تتبع الصفقات، ومن فحص الدعم العمومي، ومن رصد حالات تنازع المصالح واستعمال النفوذ، ثم تمر عبر القنوات القضائية والإدارية المختصة، مع ضمان قرينة البراءة وحقوق الدفاع وحماية سرية الأبحاث حين تقتضيها المسطرة.
بهذا المعنى، يصبح السؤال ليس: من سيُعتقل؟ بل: كيف يمكن حماية المال العام عبر مسار مؤسساتي واضح، منظم، وهادئ؟
ذلك هو الفرق بين الإثارة والمحاسبة الإثارة تبحث عن الأسماء قبل الملفات، وعن المشاهد قبل الأدلة، وعن الخلاصات قبل الأحكام. أما المحاسبة المؤسساتية فتبدأ من الوثيقة، وتنتقل إلى البحث، وتحتكم إلى القضاء، وتترك الكلمة الأخيرة للأحكام النهائية.
ولهذا فإن أي نقاش مغربي حول هذا الموضوع ينبغي أن يبقى داخل هذا الإطار: لا اتهام بلا دليل، ولا تشهير قبل حكم، ولا موقع عام ينبغي أن يكون خارج نطاق المساءلة متى توفرت معطيات جدية وسلكت طريقها القانوني الصحيح.
ما وقع في بغداد يعيد التذكير بأن الفساد لا يهدد المال العام فقط، بل يهدد الثقة العامة.
فحين يتعزز لدى الرأي العام شعور بأن ملفات المال العام تحتاج إلى وضوح أكبر في مسارات الرقابة والمحاسبة، تصبح الثقة في المؤسسات مرتبطة بقدرة هذه المسارات على الاشتغال وفق القانون وبعيداً عن الانتقائية.
وحين يرى المواطن أن الملفات تُفتح وفق المساطر، وبما يضمن حقوق جميع الأطراف، تبدأ الثقة في استعادة معناها، ولو تدريجياً.
لكن العملية العراقية، رغم ثقلها الرمزي، ستظل رهينة بما ستكشفه المراحل القضائية المقبلة.
فإذا جرى تدبير الملف بضمانات المحاكمة العادلة، وبأدلة واضحة، وبعيداً عن الاستعمال السياسي، فقد تتحول إلى محطة مفصلية في علاقة العراق بملفات الفساد.
أما إذا غلب الغموض أو الانتقاء أو الصراع بين مراكز النفوذ، فقد تتحول الحملة إلى عنوان جديد في أزمة الثقة بدل أن تكون مدخلاً لمعالجتها.
من بغداد إلى الرباط، ومن العراق إلى باقي دول المنطقة، يبقى الدرس واحداً: لا تكفي النصوص ولا الشعارات لحماية المال العام. الاختبار الحقيقي يبدأ حين تقترب المساءلة من المواقع الحساسة، وحين تتحول الرقابة إلى مسطرة، والمسطرة إلى قرار، والقرار إلى حكم قضائي واضح.
بهذا المعنى، لا تُقاس جدية أي مسار لمكافحة الفساد بعدد الموقوفين أو بثقل الأسماء المتداولة، بل بقدرته على الجمع بين حماية المال العام وصون الضمانات القانونية.
فالمحاسبة التي تبني الثقة هي تلك التي تتحرك دون انتقائية، وتشتغل دون تشهير، وتحتكم إلى القضاء دون أحكام مسبقة.
أما حين يصبح القانون قادراً على بلوغ الجميع وفق المساطر والضمانات نفسها، فإن محاربة الفساد لا تبقى مجرد شعار، بل تتحول إلى مدخل لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة على أساس الوضوح والمسؤولية.
