بقلم: الباز عبدالإله
أعاد التمويل الذي وافق عليه البنك الإفريقي للتنمية لفائدة المغرب، بقيمة 200 مليون يورو، ملف التكوين المهني والتشغيل إلى واجهة النقاش العمومي، لكن من زاوية تتجاوز الإعلان المالي إلى سؤال الأثر.
فالأمر لا يتعلق بمنحة عابرة أو بإنجاز مكتمل، بل بتمويل قائم على النتائج، موجه لدعم برنامج “Cap Compétences 2030”، الذي يراهن على تطوير مهارات المستقبل، وتعزيز قابلية التشغيل، وربط منظومة التكوين المهني بحاجيات سوق الشغل.
وافق البنك الإفريقي للتنمية، يوم 21 ماي 2026، على هذا التمويل لفائدة المغرب، في إطار دعم برنامج يروم تحديث التكوين المهني وجعله أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية.
وتكشف وثائق المشروع المنشورة على موقع البنك صورة أوضح عن طبيعة هذا الورش، وأهدافه، ومؤشرات تنزيله، بما يجعل قيمة التمويل لا تُقاس بحجمه المالي فقط، بل بقدرته على إحداث أثر فعلي في مسارات الشباب نحو الشغل.
هذا السؤال لا ينتقص من أهمية التمويل، بل يمنحه معناه الحقيقي.
فالبرامج القائمة على النتائج لا تُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، ولا بحجم الاعتمادات المعبأة، ولا باللغة المؤسساتية المصاحبة لها، بل بما يتحقق على الأرض من تحول ملموس: تكوين أكثر ملاءمة، مهارات أكثر ارتباطاً بالمقاولة، ومسارات أوضح نحو الإدماج المهني.
تؤكد وثائق المشروع أن البرنامج يستهدف تحسين ملاءمة وجودة وتنوع عرض التكوين المهني، وتسريع رقمنة الخدمات، وتوسيع أنظمة التعلم، وتقوية آليات الإدماج في سوق الشغل. وهي أهداف تكشف أن التحدي لم يعد محصوراً في توفير مقاعد للتكوين، بل في قدرة هذه المنظومة على مواكبة حاجيات الاقتصاد، وتحولات المقاولة، ومتطلبات المهن الجديدة.
المغرب مقبل على مرحلة اقتصادية تحتاج إلى موارد بشرية مؤهلة في قطاعات متعددة، من الصناعة واللوجستيك إلى الرقمنة والطاقات المتجددة والسياحة والخدمات.
لذلك، لا ينبغي التعامل مع هذا البرنامج كدعم مالي معزول لقطاع التكوين المهني، بل كجزء من سؤال أوسع يرتبط بقدرة البلاد على تحويل التكوين إلى رافعة حقيقية للتشغيل والإنتاجية والتنافسية.
هنا تبرز إحدى المعضلات العميقة داخل سوق الشغل المغربي. فالشاب قد يلج مؤسسة للتكوين، ويحصل على شهادة، لكنه يظل في حاجة إلى مسار واضح يربطه بالمقاولة، وبالمهنة، وبفرصة العمل. وبين ما يتعلمه داخل المؤسسة وما تطلبه المقاولة في الواقع، تظهر أحياناً فجوة في المهارات العملية، أو الخبرة، أو اللغة، أو التوجيه المهني، أو القدرة على الاندماج داخل بيئة العمل.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي في برنامج “Cap Compétences 2030” لا يتمثل فقط في توسيع العرض أو تحديث المسارات، بل في إعادة بناء العلاقة بين التكوين والشغل.
فالمطلوب ليس إنتاج شهادات إضافية، بل بناء كفاءات قابلة للإدماج.
والمطلوب ليس فتح ممرات جديدة نحو مراكز التكوين فقط، بل إقامة جسور عملية ومستدامة مع المقاولات والقطاعات التي تحتاج فعلاً إلى يد عاملة مؤهلة.
قيمة هذا التمويل ستظهر في مرحلة التنفيذ. فكل مبلغ يعبأ باسم التشغيل يجب أن يخضع لسؤال الأثر: كم شاباً استفاد من تكوين ملائم؟ كم مستفيداً وجد عملاً بعد التكوين؟ كم فرصة كانت مستقرة؟ كم مقاولة شاركت في صياغة البرامج؟ وكم جهة استفادت خارج المراكز الاقتصادية الكبرى؟
لا يمكن الحكم على البرنامج قبل تنزيله، ولا يمكن تحميله وحده مسؤولية اختلالات تراكمت لسنوات.
غير أن من حق الرأي العام أن يواكب هذا النوع من التمويلات بسؤال واضح: ما الذي سيتغير فعلاً في حياة المواطن؟ لأن التمويل الموجه للتشغيل لا ينبغي أن يبقى رقماً في بلاغ مؤسساتي، بل يجب أن يتحول إلى أثر قابل للقياس داخل سوق الشغل.
القضية، في عمقها، ليست 200 مليون يورو فقط. القضية هي قدرة المغرب على تحويل هذا التمويل إلى تصحيح فعلي لعطب قديم: تكوين لا يقود دائماً إلى إدماج، وشهادة لا تفتح دائماً باب العمل، وبرامج تحتاج إلى نتائج واضحة حتى تكتسب ثقة المواطن.
البنك الإفريقي للتنمية وضع التمويل على الطاولة، والمغرب وضع أفق 2030 أمامه.
غير أن الحلقة الحاسمة ستبقى في التنفيذ: داخل مركز التكوين، داخل المقاولة، داخل الجهة، وداخل حياة الشاب الذي ينتظر فرصة عمل، لا وعداً جديداً.
التمويل قائم، والبرنامج موجود، والوثائق منشورة. ويبقى السؤال الذي سيحدد قيمة كل ذلك هو سؤال الأثر: هل يتحول هذا التمويل إلى كفاءات وفرص شغل، أم يبقى رقماً جديداً في دفتر طويل من البرامج؟
