بقلم: الباز عبدالإله
لا تبدو إحالة مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة على المحكمة الدستورية مجرد محطة تقنية في مسار تشريعي عادي، بقدر ما تكشف عن لحظة سياسية دقيقة وجد فيها وزير العدل عبد اللطيف وهبي نفسه أمام نص يحمل بصمته، لكنه عاد إلى الواجهة من باب الرقابة الدستورية، في آخر أيام الدورة البرلمانية، وعلى مسافة قصيرة من الانتخابات التشريعية المقبلة.
فبحسب ما نشره موقع “تيل كيل عربي”، قال وهبي، في أول تعليق له على قرار رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي إحالة القانون على المحكمة الدستورية، إنه “لا اعتراض لديه” على هذه الخطوة، معتبراً أنها لا تطرح أي مشكلة إذا كانت تحترم الدستور ومساطره.
من حيث الشكل، يبدو التصريح منسجماً مع منطق المؤسسات. فإحالة القوانين على المحكمة الدستورية حق دستوري، وممارسة تدخل ضمن آليات مراقبة دستورية النصوص قبل إصدارها.
غير أن السياسة لا تُقرأ دائماً من زاوية الشكل وحده، بل من زاوية التوقيت والسياق والكلفة.
وهنا بالضبط تكمن حساسية الملف.
فالنص لم يُحال في بداية ولاية برلمانية، ولا داخل زمن سياسي مفتوح يسمح بإعادة ترتيب النقاش بهدوء، بل في لحظة يقترب فيها مجلس النواب من اختتام دورته، فيما حُدد يوم 23 شتنبر 2026 موعداً للانتخابات التشريعية المقبلة، وفق ما أعلنته الحكومة رسمياً.
وهذا التزامن يجعل الإحالة محملة بدلالات تتجاوز المسطرة، لأنها تأتي في آخر عمر البرلمان، وفي لحظة انتخابية لا تسمح للأغلبية بتجاهل كلفة الملفات المثيرة للاحتقان.
الأكثر دلالة في تصريح وزير العدل ليس قوله إنه لا يعترض على الإحالة، بل إعلانه أن “مهمته انتهت في الوقت الحالي”.
هذه العبارة تبدو، سياسياً، أكبر من مجرد جواب عابر، فهي تنقل الوزير من موقع المدافع عن النص إلى موقع من يريد تسليم الملف للمؤسسات، كما لو أن مسؤوليته تنتهي عند حدود المصادقة التشريعية.
غير أن نصاً أثار غضباً واسعاً داخل مهنة المحاماة، وفتح مواجهة حادة بين الوزارة وجزء مهم من الجسم المهني، لا يمكن أن تُطوى مسؤوليته السياسية بمجرد انتقاله إلى المحكمة الدستورية.
فالمسؤولية الحكومية لا تنتهي عند تمرير النصوص، بل تبدأ أيضاً من طريقة إعدادها، ومن مستوى التشاور حولها، ومن القدرة على تحويل الإصلاح إلى اقتناع جماعي، لا إلى أزمة ثقة.
لقد دافع وهبي عن هذا المشروع باعتباره إصلاحاً لمهنة المحاماة. لكن وصول النص إلى المحكمة الدستورية، بهذا التوقيت، يطرح سؤالاً مهنياً وسياسياً في الآن نفسه: هل نحن أمام إحالة دستورية عادية، أم أمام محاولة لتبريد قانون صار مكلفاً سياسياً في نهاية الولاية البرلمانية؟
ووفق المعطيات التي أوردها “تيل كيل عربي”، فإن قرار الإحالة لم يُقرأ داخل حزب الأصالة والمعاصرة بالبرودة نفسها التي حاول وهبي إظهارها، إذ اعتبره بعضهم “صفعة سياسية”، خصوصاً أنه صدر عن رئيس مجلس النواب المنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، دون إخبار مسبق لرئيس الفريق النيابي للبام أحمد التويزي، ولا لعدد من رؤساء فرق الأغلبية، وفق مصدر نيابي تحدث للموقع.
هذا المعطى، وإن كان يحتاج إلى قراءته بتحفظ باعتباره منسوباً إلى مصدر نيابي، يكشف أن الملف لم يعد محصوراً بين وزارة العدل والمحامين.
لقد أصبح جزءاً من توتر أعمق داخل الأغلبية نفسها، بين من يقدّم الإحالة كمسطرة دستورية عادية، ومن يراها رسالة سياسية في توقيت انتخابي حساس.
هنا يجد وهبي نفسه أمام مفارقة صعبة.
فهو يقول إن لا مشكلة لديه مع الإحالة، بينما داخل محيطه الحزبي من يقرأها كإشارة سياسية غير مريحة.
وهو يعلن أن مهمته انتهت، بينما النص الذي حمل اسمه لا يزال ينتظر كلمة المحكمة الدستورية.
وهو يحاول الظهور بمظهر الوزير الهادئ أمام المسطرة، بينما الملف نفسه يكشف أن طريقة تدبير الإصلاح خلّفت جروحاً مهنية وسياسية لم تندمل بعد.
الاختبار المقبل لن يكون قانونياً فقط.
فإذا اعتبرت المحكمة الدستورية أن النص مطابق للدستور، سيظل السؤال السياسي قائماً: لماذا عجزت وزارة العدل عن تمرير إصلاح بهذه الحساسية دون هذا المستوى من الاحتقان؟
وإذا سجلت المحكمة ملاحظات على بعض مقتضياته، فسيكون السؤال أشد وقعاً: كيف وصل نص يمس مهنة مركزية في منظومة العدالة إلى آخر مراحل المسار التشريعي، رغم كل التحذيرات والاعتراضات التي رافقته؟
في الحالتين، لن تكون عبارة “مهمتي انتهت” كافية لإغلاق الملف.
فمشروع قانون المحاماة يدخل المحكمة الدستورية في لحظة سياسية ضيقة، والبرلمان يتهيأ لإسدال الستار على دورته، والانتخابات تضغط على حسابات الأغلبية.
أما وهبي، الذي أراد أن يظهر كمن سلّم النص للمؤسسات، فإنه لا يزال داخل دائرة المساءلة السياسية، لأن القوانين لا تُقاس فقط بعدد الأصوات التي تمررها، بل أيضاً بحجم الثقة التي تتركها خلفها.
لقد وصل مشروع قانون المحاماة إلى المحكمة الدستورية، لكن السؤال الحقيقي ما زال خارج أسوارها: هل كان الأمر إصلاحاً لمهنة المحاماة، أم درساً جديداً في كلفة التشريع حين يغيب التوافق؟
