بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن حديث نبيل بنعبد الله عن ارتباط البرنامج الانتخابي بتفعيل الفصل 89 من الدستور مجرد ملاحظة تقنية، ولا تفصيلاً قانونياً عابراً داخل نقاش سياسي مألوف.
فالتصريح يفتح، في العمق، واحداً من أكثر الأسئلة إحراجاً للحياة الحزبية والحكومية في المغرب: هل تُكتب البرامج الانتخابية من أجل الحكم، أم فقط من أجل العبور إلى صناديق الاقتراع؟
فالفصل 89 لا يترك مجالاً واسعاً للمناورة في جوهر المسؤولية. الحكومة تمارس السلطة التنفيذية، وتعمل تحت سلطة رئيسها على تنفيذ البرنامج الحكومي، وضمان تنفيذ القوانين، كما توضع الإدارة رهن تصرفها، وتمارس الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية.
بمعنى آخر، من يصل إلى رئاسة الحكومة لا يصل إلى موقع التعليق على الأعطاب، بل إلى موقع معالجتها.
ومن يملك الأغلبية لا يملك فقط حق الكلام باسم الصناديق، بل يتحمل واجب تحويل الوعود إلى سياسات عمومية قابلة للقياس والمحاسبة.
هنا تكمن قوة تصريح بنعبد الله، فهو لا يحرج الحكومة الحالية وحدها، بل يحرج منطقاً سياسياً كاملاً تعوّد على تضخيم الوعود قبل الانتخابات، ثم تصغير المسؤولية بعدها.
أحزاب تدخل الحملات الانتخابية بخطابات كبرى حول التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية، لكنها حين تقترب من السلطة تكتشف فجأة لغة الإكراهات، وثقل الظرفية، وحدود الممكن.
لكن المواطن لا ينتخب الأعذار.
المواطن لا يمنح صوته لمن سيشرح له لاحقاً لماذا فشل.
المواطن يصوّت على تعاقد سياسي يفترض أن يجد أثره في المستشفى، وفي المدرسة، وفي سوق الشغل، وفي الأسعار، وفي جودة الخدمة العمومية.
لذلك يصبح استدعاء الفصل 89 أكثر من إحالة دستورية. إنه تذكير بأن البرنامج الحكومي ليس بيان نوايا، وأن الإدارة ليست كائناً مستقلاً عن المسؤولية السياسية، وأن المؤسسات والمقاولات العمومية ليست جزراً مستقلة خارج سلطة المحاسبة والرقابة السياسية.
فإذا كانت الحكومة تملك أدوات التنفيذ دستورياً، فمن حق المغاربة أن يسألوا عن النتائج لا عن النوايا.
المشكلة أن جزءاً من السياسة المغربية ما زال يتعامل مع البرنامج الانتخابي كما لو كان وثيقة دعائية تنتهي صلاحيتها ليلة إعلان النتائج.
تُرفع الشعارات في الحملة، وتُجمّل الأرقام في المنصات، وتُوزّع الوعود على الفئات والجهات، ثم حين يبدأ الامتحان الحقيقي تتحول السلطة إلى خطاب دفاعي، وتتحول المسؤولية إلى منطقة رمادية بين الحكومة والإدارة والظرفية والسياق الدولي.
هذا ما يصنع أزمة الثقة.
ليست الأزمة فقط في ضعف الإنجاز، بل في غياب الجرأة على الاعتراف بأن الحكم مسؤولية كاملة.
فمن يريد أصوات المواطنين عليه أن يقدم برنامجاً قابلاً للتنفيذ، لا قصيدة انتخابية.
ومن يريد قيادة الحكومة عليه أن يعرف أن الدستور يمنحه السلطة بقدر ما يضعه تحت طائلة المساءلة.
تصريح بنعبد الله، بهذا المعنى، يضع الأحزاب كلها أمام المرآة: لا يكفي أن تَعِدوا. لا يكفي أن تنتقدوا.
لا يكفي أن تكتبوا برامج براقة. السؤال الحقيقي هو: هل تملكون تصوراً للحكم؟ هل تعرفون كيف ستفعلون الدستور؟ وهل تملكون الشجاعة لتحويل البرامج الانتخابية من منشورات موسمية إلى التزام سياسي قابل للمحاسبة؟
أما أن تتحول الانتخابات إلى موسم للوعود، والحكومة إلى ورشة للتبرير، والمواطن إلى متفرج على خيبة جديدة، فذلك ليس خللاً في التواصل فقط، بل خلل في معنى المسؤولية السياسية نفسها.
الفصل 89 ليس رقماً في الدستور.
إنه امتحان لمن يريد الحكم.
ومن لا يستطيع تحويل برنامجه إلى فعل، عليه ألا يطلب من المواطنين منحه الثقة باسم وعود يعرف مسبقاً أنها لن تغادر الورق.
لذلك يبقى السؤال معلقاً فوق كل موسم انتخابي: هل تُكتب البرامج الانتخابية للحكم، أم تُنتَج فقط كعروض سياسية جديدة من “التبوريدة” على المغاربة؟
