لم يتحدث إدريس الأزمي الإدريسي، النائب الأول للأمين العام لحزب العدالة والتنمية والوزير المنتدب السابق المكلف بالميزانية، بلسان معارض يكتشف أعطاب الاقتصاد المغربي لأول مرة.
تحدث بلهجة من يعرف دهاليز المالية العمومية، ويدرك أين تتعطل الاستثمارات، وكيف تتوزع الامتيازات، ومن يستفيد من الدعم، وكيف يمكن أن تتحول السلطة الاقتصادية إلى أداة لتركيز الثروة والنفوذ.
وخلال حوار نظمه موقع «اقتصادكم.ما» حول الرهانات الاقتصادية لانتخابات 2026، رفع الأزمي سقف انتقاداته للحكومة، معتبراً أنها كرست تضارب المصالح، ووسعت دائرة الريع، ودفعت المغرب في اتجاه تكوين «أوليغارشيات» يلتقي داخلها رأس المال بالسلطة.
وبحسب تشخيصه، لم تعد بعض المقاولات الكبرى تؤدي دور القاطرة المنتجة، بل أصبحت تعيش على الدعم العمومي والاحتكار والامتيازات، في وقت تظل فيه المقاولات الصغيرة والمتوسطة محاصرة بصعوبة الولوج إلى التمويل والعقار والصفقات العمومية.
كلام ثقيل لا يمكن اختزاله في مجرد مزايدة انتخابية.
فأسئلة تضارب المصالح، وتركيز الصفقات، ودعم كبار المستوردين، وضعف انعكاس الاستثمار العمومي على التشغيل، أصبحت جزءاً مركزياً من النقاش الاقتصادي في المغرب.
غير أن قوة الاتهام لا تمنح صاحبه حصانة من الأرشيف.
الأزمي ليس خبيراً يقف خارج التجربة، ولا معارضاً لم يسبق له أن شارك في تدبير المال العام. إنه وزير سابق حمل حقيبة الميزانية خلال مرحلة شديدة الحساسية، وكان جزءاً من حكومة اتخذت قرارات ما تزال آثارها المالية والاجتماعية حاضرة إلى اليوم.
لذلك، حين يتحدث عن حكومة تصنع الأوليغارشية، يصبح من المشروع سؤاله: ماذا فعل عندما كان داخل مركز القرار لتفكيك هذه البنية؟
وحين ينتقد سوقاً للمحروقات تهيمن عليها شركات محدودة، يعود ملف تحرير الأسعار ليضع تجربته بدورها تحت المجهر.
فالحكومة التي كان عضواً فيها رفعت الدعم تدريجياً عن المحروقات، قبل أن تنتقل إلى تحرير أسعارها في نهاية سنة 2015.
كان الهدف المعلن تخفيف العبء عن صندوق المقاصة، وربط الأسعار بتقلبات السوق الدولية، وإنهاء استنزاف الميزانية العامة.
مالياً، حقق القرار جزءاً من أهدافه.
لكن اقتصادياً، جرى تحرير الأسعار داخل سوق شديدة التركيز، دون استكمال شروط المنافسة الفعلية، ودون وجود جهاز رقابي قادر، في تلك اللحظة، على منع التفاهمات وحماية المستهلك من انتقال الاحتكار من الدولة إلى الشركات.
لاحقاً، عاد مجلس المنافسة إلى تسجيل ممارسات منافية للمنافسة داخل سوق المحروقات، وانتهت الملفات بتسويات مالية ثقيلة مع الشركات المعنية.
هنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً من أي خطاب: كيف يمكن للأزمي أن يندد اليوم بتحكم شركات المحروقات في الأسعار، بينما شارك في تحرير السوق قبل استكمال شروط المنافسة والضبط؟
وقد يدافع بأن أسعار المحروقات ظلت، خلال مرحلة حكومته، أقل من المستويات التي بلغتها لاحقاً.
لكن القضية لا تختزل في ثمن اللتر خلال سنة معينة.
المسألة تتعلق ببنية السوق التي جرى تحريرها: شركات قليلة، مصفاة وطنية متوقفة، تركّز مرتفع، ورقابة لم تكن جاهزة بما يكفي لحماية المستهلك.
وحين يدعو الأزمي اليوم إلى إعادة تشغيل مصفاة «سامير» لضمان الأمن الطاقي وخلق التوازن داخل السوق، يبدو كمن يقترح علاجاً لاختلال ساهمت حكومته، على الأقل، في توفير شروط ظهوره.
ولا يتوقف الأرشيف عند المحروقات.
فالرجل الذي ينتقد اليوم تحميل المواطنين كلفة الاختلالات المالية، كان من أبرز المدافعين عن إصلاح التقاعد لسنة 2016.
ذلك الإصلاح رفع تدريجياً سن الإحالة على التقاعد، وزاد مساهمات الموظفين والدولة، وغير طريقة احتساب المعاشات.
وقدمت الحكومة القرار باعتباره إنقاذاً ضرورياً للصندوق المغربي للتقاعد من الإفلاس.
لكن الجزء الأكبر من الفاتورة وُضع فوق كاهل الموظفين: سنوات إضافية من العمل، ومساهمات أعلى، ومعاشات مستقبلية أقل نسبياً.
صحيح أن الصندوق كان يواجه عجزاً خطيراً، وأن تأجيل الإصلاح كان سيهدد حقوق مئات الآلاف من المتقاعدين.
لكن الإصلاح لم يحل أزمة منظومة التقاعد، ولم يوحد أنظمتها، ولم يعالج جذور اختلال الحكامة، بل منحها زمناً إضافياً على حساب الموظف.
وبالتالي، حين يتهم الأزمي الحكومة الحالية باتخاذ قرارات اجتماعية تدفع ثمنها الفئات المتوسطة والضعيفة، يصبح من حق الموظفين أن يسألوه: ألم تكن حكومتكم قد اختارت بدورها الحل المالي الأسرع، عبر رفع الاقتطاعات وتقليص الحقوق المستقبلية؟
ويقدم الأزمي كذلك تقليص عجز الميزانية باعتباره واحداً من أبرز إنجازات مرحلته.
وهو معطى لا يمكن إنكاره بالكامل.
فالعجز الذي بلغ مستويات مرتفعة سنة 2012 تراجع تدريجياً خلال السنوات اللاحقة، مستفيداً من إصلاح المقاصة وضبط بعض النفقات.
لكن الصورة لا تكتمل دون الوجه الآخر.
فدين الخزينة واصل الارتفاع، ليقترب عند نهاية سنة 2016 من 65 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
أي أن الحكومة نجحت في خفض العجز السنوي، لكنها لم تنجح في وقف تراكم المديونية.
كما أن جزءاً من تصحيح الميزانية مر عبر توقيف تنفيذ نحو 15 مليار درهم من اعتمادات الاستثمار سنة 2013.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح.
الأزمي ينتقد اليوم حكومة تضخ مئات المليارات في الاستثمار العمومي دون أن تنتج ما يكفي من الوظائف، ويطالب بتوزيع المشاريع على آلاف المقاولات بدل تركيزها في يد مجموعات محدودة.
لكن حكومته اختارت، عندما اشتد الضغط على الميزانية، تجميد جزء من الاستثمار بدل حماية أثره على النمو والتشغيل.
تحسنت بعض المؤشرات المالية، لكن الاقتصاد لم يعرف طفرة في فرص الشغل، وظلت بطالة الشباب مرتفعة، خصوصاً في المدن.
بمعنى آخر، جرى ترميم بعض الأرقام، لكن ذلك الترميم لم يتحول إلى تحسن ملموس داخل سوق العمل.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن مرحلة الأزمي عرفت إصلاحات مؤسساتية مهمة.
ويظل القانون التنظيمي للمالية واحداً من أبرزها، بعدما نقل الميزانية تدريجياً من منطق توزيع الاعتمادات إلى منطق البرامج والنتائج وقياس الأداء.
كما جرى إطلاق معالجة متأخرات الضريبة على القيمة المضافة لفائدة المقاولات، ووضع إطار قانوني لآجال الأداء وللشراكة بين القطاعين العام والخاص.
غير أن قوة الإصلاحات على الورق لا تعني نجاحها الكامل في الواقع.
فآجال الأداء ظلت مشكلة قائمة بعد مغادرة الأزمي للحكومة، واسترجاع مستحقات الضريبة امتد إلى سنوات لاحقة، كما بقي تطبيق القانون التنظيمي للمالية رهيناً بجودة التنفيذ، لا بقوة النص وحده.
ويفاخر الأزمي أيضاً بتقدم المغرب في مؤشر مناخ الأعمال، مستنداً إلى المرتبة 53 للدفاع عن حصيلة حكومته.
لكن هذه المرتبة تحققت في تقرير سنة 2020، بعد سنوات من مغادرته وزارة الميزانية.
يمكن القول إن حكومته ساهمت في إطلاق إصلاحات مهمة في الضرائب والتراخيص وتسجيل العقار، لكن احتساب النتيجة النهائية كاملة لصالح مرحلته يخلط بين ما بدأ في عهده وما تحقق بعده.
كما يتهم الأزمي الحكومة الحالية بممارسة ضغط جبائي غير مسبوق، مستنداً إلى ارتفاع المداخيل الضريبية بنسب تتجاوز معدل النمو.
لكن منظومة الضرائب في عهده لم تكن أكثر عدالة.
فالإعفاءات غير المنتجة استمرت، والاقتصاد غير المهيكل ظل خارج المساهمة الفعلية، بينما بقي العبء مركزاً على الأجراء والمقاولات المهيكلة والفئات التي لا تملك إمكانية التهرب.
كما راكمت الحسابات الخصوصية للخزينة أرصدة مالية كبيرة، في وقت كانت قطاعات اجتماعية واستثمارية تشتكي نقص الموارد وبطء التنفيذ.
أي أن مشكلة حسن استعمال المال العام لم تولد مع الحكومة الحالية، كما أن ضعف تحويل الاعتمادات إلى أثر اجتماعي لم يبدأ خلال هذه الولاية.
وحين يهاجم الأزمي دعم استيراد المواشي، يبدو خطابه أكثر تماساً مع غضب المواطنين.
فهو يعتبر أن الإعفاءات والدعم الموجهين إلى المستوردين لم يؤديا إلى خفض أسعار اللحوم، وأن الأموال التي لم تدخل الخزينة تحولت عملياً إلى هوامش ربح لفائدة فاعلين محدودين.
ويقترح توجيه الدعم مباشرة إلى الكسابة والفلاحين لإعادة بناء القطيع الوطني، بدل تمويل الاستيراد وإضعاف المنتج المحلي.
هذا نقد قوي، خصوصاً أن المواطن لم يلمس الأثر الذي بررت به الحكومة مليارات الدعم والإعفاءات.
لكن السؤال الذي يلاحق الأزمي هنا أيضاً هو سؤال الاتساق: هل كانت حكومته تربط فعلاً كل إعفاء ضريبي وكل دعم عمومي بالتزامات واضحة وقابلة للقياس والمحاسبة؟
عملية تسوية الأموال والممتلكات الموجودة بالخارج سنة 2014 قُدمت يومها باعتبارها نجاحاً مالياً، بعدما مكنت من التصريح بعشرات المليارات وإعادة جزء من الأموال إلى الدورة الاقتصادية.
لكنها كانت أيضاً مساهمة إبرائية منحت المخالفين لقانون الصرف فرصة تسوية أوضاعهم مقابل أداء نسبة محدودة.
يمكن الدفاع عنها باعتبارها قراراً براغماتياً حقق موارد للخزينة.
لكن لا يمكن تجاهل أنها منحت من خالف القانون طريقاً استثنائياً لإغلاق الملف.
ثم إن الجمع بين وزارة الميزانية ورئاسة جماعة فاس، ابتداءً من سنة 2015، فتح بدوره سؤالاً حول تركيز المسؤوليات والقدرة على تدبير منصبين ثقيلين في الوقت نفسه.
وزادت المفارقة عندما اعترضت وزارة الداخلية على بعض توقعات مداخيل أول ميزانية جماعية أعدها مجلسه، معتبرة إياها مبالغاً فيها.
الوزير الذي يقدم نفسه اليوم خبيراً في الواقعية المالية وجد نفسه، بصفته عمدة، أمام ملاحظات حول واقعية أرقامه المحلية.
لا تعني هذه الوقائع أن حصيلة الأزمي فارغة.
فالرجل شارك في إصلاحات صعبة، بعضها كان مؤجلاً لسنوات، وبعضها كلف حزبه ثمناً سياسياً واضحاً.
لكن هذه الحصيلة لا تسمح له بأن يقدم نفسه باعتباره بديلاً بلا ماضٍ.
حين يتهم الحكومة الحالية بصناعة الأوليغارشية، عليه أن يشرح لماذا لم تفكك حكومته بنيتها.
وحين يندد بتحكم شركات المحروقات، عليه أن يجيب عن تحرير الأسعار قبل استكمال شروط المنافسة.
وحين يحذر من تحميل المواطنين كلفة الاختلالات، عليه أن يواجه الموظفين بإصلاح التقاعد.
وحين ينتقد ارتفاع المديونية، عليه أن يتذكر أنها واصلت الصعود خلال مرحلته.
وحين يتحدث عن الاستثمار والتشغيل، عليه أن يفسر كيف جُمدت اعتمادات الاستثمار، وبقيت بطالة الشباب مرتفعة.
المشكلة في خطاب الأزمي ليست أن تشخيصه خاطئ.
جزء مهم مما يقوله صحيح، وبعض انتقاداته للحكومة الحالية تستحق المساءلة والتحقيق.
المشكلة أنه يتحدث أحياناً كما لو أن التاريخ الاقتصادي للمغرب بدأ بعد خروج حزب العدالة والتنمية من الحكومة.
والحال أن جزءاً من الأعطاب التي يهاجمها اليوم نما خلال سنوات كان فيها حزبه يقود السلطة التنفيذية، وكان هو نفسه داخل الغرفة التي تُرسم فيها الضرائب والدعم والميزانية والديون.
الحكومة الحالية مطالبة بتقديم الحساب عن تضارب المصالح، وتركيز الصفقات، ودعم المستوردين، وضعف أثر الاستثمار العمومي، وارتفاع المديونية.
لكن الأزمي مطالب هو الآخر بتقديم حسابه عن تحرير المحروقات، وإصلاح التقاعد، وتجميد الاستثمار، وارتفاع الدين، وإصلاحات قوية في النصوص وضعيفة في أثرها الاجتماعي.
فالمعارضة لا تمحو الذاكرة.
ومن يفتح دفاتر الحكومة اليوم، عليه أن يقبل بفتح دفاتره عندما كان وزيراً.
