بقلم: الباز عبدالإله
لم تنته مباراة المغرب وفرنسا بصافرة الحكم، ولم تُغلق أسئلتها بخروج «أسود الأطلس» من ربع نهائي كأس العالم 2026.
بعد أداء باهت أمام «الديوك»، انتقل الغموض من مدرجات الملعب إلى مطار الرباط-سلا، حيث عاد اللاعبون ليجدوا الجماهير في انتظارهم، بينما لم يُنظم، بحسب موقع «لكم»، استقبال رسمي للبعثة، كما غاب مسؤولو الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم عن المطار.
بلوغ ربع النهائي يظل نتيجة تستحق التقدير، ويؤكد أن المنتخب المغربي بات رقما ثابتا بين كبار الكرة العالمية. لكن الاعتزاز بالمسار لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإغلاق النقاش حول طريقة الإقصاء، أو إلى حصانة تمنع مساءلة الجهاز التقني والجامعة عن واحدة من أكثر المباريات إحباطا للجمهور المغربي.
لم يخسر المنتخب أمام فرنسا فقط لأنه واجه منافسا أقوى، بل لأنه ظهر منذ البداية فاقدا للجرأة، محدودا في الانتقال الهجومي، وعاجزا عن تهديد المرمى الفرنسي بما ينسجم مع القيمة الفردية للاعبيه والطموحات التي سبقت المواجهة.
وأقر المدرب محمد وهبي، عقب المباراة، بأن المنتخب الفرنسي كان الطرف الأفضل، وبأن المغرب افتقد الأفكار والانتعاش والنجاعة عند امتلاك الكرة، داعيا إلى تقييم موضوعي ونقد ذاتي بعد الإقصاء.
اعتراف المدرب مهم، لكنه لا يكفي.
فالمغاربة لا يحتاجون فقط إلى سماع أن فرنسا كانت أقوى. لقد شاهدوا ذلك بأعينهم. ما يحتاجون إليه هو معرفة أسباب ظهور المنتخب بهذه الصورة، ومن اختار النهج التكتيكي الذي جعل فرنسا تلعب داخل منطقة راحتها، ولماذا دخلت العناصر الوطنية المواجهة بحذر مبالغ فيه، وكأن المطلوب كان تأجيل الخسارة لا صناعة الانتصار.
لماذا عجز المنتخب عن الخروج المنظم بالكرة؟
لماذا غابت الحلول الهجومية؟
ولماذا بدا عدد من اللاعبين منهكين بدنيا وذهنيا منذ الدقائق الأولى؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة اللاعبين، ولا تتجاهل قوة المنتخب الفرنسي، لكنها تضع المسؤولية في مكانها الطبيعي.
فحين يتحول المنتخب إلى مشروع وطني تُرصد له إمكانات كبيرة، ويُرفع باسمه سقف الطموحات، يصبح من حق الجمهور أن يعرف كيف اتُخذت القرارات، وكيف أُديرت المباراة، ومن يتحمل تبعات الاختيارات التي لم تنجح.
وسط هذا النقاش، برز سؤال أكثر حساسية يتعلق بفوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
فقد تداولت صفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تساؤلات حول غياب لقجع عن المشهد خلال جزء من الشوط الثاني، أو مغادرته مكانه في المنصة قبل صافرة النهاية.
غير أن هذه الرواية، رغم انتشارها، لم تُدعّم إلى حدود الساعة بمعطيات صحفية مستقلة تحدد ما إذا كان رئيس الجامعة قد غادر الملعب فعلا، أو انتقل إلى مكان آخر داخله، أو كانت لديه التزامات تنظيمية مرتبطة بالمباراة.
لذلك لا يمكن تقديم رواية «اختفاء لقجع» باعتبارها حقيقة محسومة، ولا تحميلها تأويلات أو اتهامات لا تسندها الأدلة.
لكن السؤال يظل مشروعا.
هل غادر فوزي لقجع مكانه قبل نهاية المباراة؟
وإن كان قد غادر، فما السبب؟
هل توجه إلى مستودع الملابس أو إلى منطقة أخرى داخل الملعب؟ أم غادر بسبب التزامات تنظيمية أو مسؤوليات مرتبطة بالاتحاد الدولي لكرة القدم؟
أم أن الأمر مجرد انطباع صنعته لقطات متفرقة جرى تداولها خارج سياقها؟
كان بإمكان توضيح رسمي مقتضب أن يغلق الباب أمام الإشاعات. غير أن الجامعة لم تقدم، في حدود المعطيات المنشورة، جوابا مؤسساتيا يحسم الجدل بشأن مكان رئيسها خلال اللحظات الأخيرة من المواجهة.
فالصمت لا يقضي على الإشاعة، بل يمنحها مساحة أكبر.
ثم جاءت عودة المنتخب إلى المغرب لتضاعف علامات الاستفهام.
فبحسب موقع «لكم»، لم يُنظم استقبال رسمي للبعثة لدى وصولها إلى مطار الرباط-سلا، كما غاب مسؤولو الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم عن المطار، بينما احتشد مئات المشجعين حتى ساعة متأخرة من الليل لتحية اللاعبين والتعبير عن تقديرهم لما قدموه في المونديال.
ولا تعني هذه المعطيات بالضرورة أن مسؤولي الجامعة لم يكونوا ضمن البعثة أو أنهم لم يرافقوا المنتخب خلال الرحلة. لكنها، كما نشرها الموقع، تؤكد غيابهم عن المطار وعدم تنظيم استقبال رسمي معلن للمنتخب.
والقضية هنا لا تتعلق بباقات الورود أو بالبروتوكول، بل بالرسالة المؤسساتية التي يبعثها المشهد.
لماذا يكون المسؤولون في مقدمة الصورة عند الانتصار، ثم يغيبون عندما يحين وقت تحمل الأسئلة؟
لماذا تُترك الجماهير وحدها لاستقبال اللاعبين بعد الإقصاء؟
ولماذا لم يظهر مسؤول جامعي في المطار ليؤكد أن المؤسسة تتحمل مسؤوليتها إلى جانب الطاقم واللاعبين في الربح كما في الخسارة؟
كما لم توضح الجامعة ما إذا كان فوزي لقجع قد عاد مع المنتخب في الرحلة نفسها، أو غادر الولايات المتحدة في موعد آخر، أو بقي هناك بسبب التزامات مرتبطة بمسؤولياته داخل «فيفا».
المطلوب هنا ليس إطلاق اتهام، بل الحصول على معلومة رسمية.
هل كان رئيس الجامعة ضمن البعثة العائدة؟
وإن لم يكن، فما سبب غيابه؟
ولماذا لم يكن أي مسؤول جامعي بارز حاضرا في المطار، بحسب ما أورده موقع «لكم»، لاستقبال المنتخب الذي تشرف الجامعة نفسها على تدبيره وتمثيله؟
المقارنة مع مونديال قطر 2022 تفرض نفسها بقوة.
بعد الإنجاز التاريخي ببلوغ نصف النهائي، كان فوزي لقجع إلى جانب المنتخب وعلى رأس بعثته لدى مغادرتها مطار حمد الدولي بالدوحة في اتجاه المغرب.
كان رئيس الجامعة آنذاك جزءا من البعثة في رحلة العودة، حاضرا إلى جانب المنتخب بعد واحدة من أكثر مشاركات كرة القدم المغربية إشراقا.
لكن المسؤولية لا تُقاس فقط بالحضور في لحظات الإنجاز. بل تُقاس أيضا بالقدرة على الظهور عند الخسارة، ومواجهة الرأي العام، وتقديم الأجوبة، وحماية اللاعبين من تحمل المسؤولية وحدهم.
من حق فوزي لقجع أن يُنسب إليه جزء من التحول الكبير الذي عرفته الكرة المغربية، ومن حق الجامعة أن تفتخر بما حققته المنتخبات الوطنية خلال السنوات الأخيرة.
لكن النجاح السابق لا يلغي المساءلة الحالية، والإنجازات لا تمنح أي مسؤول شيكا على بياض.
بل على العكس، كلما ارتفعت مكانة الكرة المغربية، أصبحت الشفافية أكثر ضرورة.
لم يعد المنتخب المغربي فريقا يذهب إلى المونديال بحثا عن مشاركة مشرفة. لقد دخل نسخة 2026 بعد بلوغ نصف نهائي قطر، وبمجموعة من اللاعبين الذين يمارسون في أكبر البطولات الأوروبية، وبعد سنوات من الاستثمار في البنية والتكوين والاستعداد.
لهذا لا يمكن التعامل مع الخروج بالطريقة التقليدية نفسها: تصريح مقتضب للمدرب، ثم عودة صامتة، ثم انتظار أن تنسى الجماهير.
محمد وهبي قدم جزءا من الجواب عندما اعترف بتفوق فرنسا وبحاجة المنتخب إلى النقد الذاتي. لكنه لم يقدم تقريرا مفصلا عن أسباب تراجع الأداء، ولا عن الاختيارات التكتيكية، ولا عن الوضع البدني للمجموعة، ولا عن تدبير الإصابات والتغييرات التي أثارت انتقادات واسعة.
أما الجامعة، فمسؤوليتها أوسع من مسؤولية المدرب.
هي المطالبة بتقديم حصيلة كاملة للمشاركة، لا بيانا احتفاليا بالأرقام والنتائج فقط.
هل كانت الاستعدادات اللوجستية والبدنية مناسبة؟
هل أثرت التنقلات والمسافات في جاهزية اللاعبين؟
كيف أُدير ملف الإصابات؟
لماذا ظهر المنتخب دون حلول هجومية أمام فرنسا؟
وما تقييم الجامعة لعمل محمد وهبي ومستقبل المشروع التقني؟
هذه ليست أسئلة شعبوية، بل الحد الأدنى من الحكامة الرياضية.
كما أن المطالبة بندوة صحفية لا تعني البحث عن كبش فداء.
الهدف ليس إقالة المدرب تحت ضغط الغضب، ولا محاكمة اللاعبين، ولا إنكار قيمة الوصول إلى ربع النهائي.
الهدف هو معرفة ما حدث، واستخلاص الدروس، وتحديد المسؤوليات، ومنع تكرار الأخطاء.
لكن ما حدث حتى الآن يسير في الاتجاه المعاكس: تداول واسع بشأن مكان لقجع خلال الدقائق الأخيرة دون توضيح حاسم، خروج أثار انتقادات فنية واسعة، ثم عودة إلى مطار قال موقع «لكم» إنه لم يشهد استقبالا رسميا للبعثة، وغاب عنه مسؤولو الجامعة.
كل واقعة، منفردة، قد تكون قابلة للتفسير.
لكن اجتماعها في مشهد واحد يصنع أزمة تواصل وثقة لا يمكن تجاهلها.
الجامعة مطالبة اليوم بالخروج من الصمت والإجابة بوضوح: أين كان فوزي لقجع خلال الدقائق الأخيرة من مباراة فرنسا؟ هل عاد مع البعثة؟ ولماذا غاب مسؤولو الجامعة عن المطار وفق ما نشره موقع «لكم»؟
وإلى جانب لغز الحضور والغياب، يبقى السؤال الأكبر: ما الأسباب التقنية والبدنية واللوجستية الحقيقية للخروج؟ ومن يتحمل مسؤولية القرارات التي حولت منتخبا دخل المونديال بطموح المنافسة إلى فريق لم يستطع تهديد فرنسا بجدية؟
الأسود عادوا إلى المغرب، لكن الأسئلة بقيت عالقة بين منصة الملعب وبوابة مطار الرباط-سلا.
وكلما تأخر الجواب، اتسعت مساحة الشك.
أما الصمت، فلم يعد جوابا مقبولا من مؤسسة تدبر مشروعا وطنيا بهذا الحجم.
